الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
8
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ويجوز أن تكون مستعملة في المجاز الصوري يتظاهرون بالسؤال وهم موقنون بانتفاء وقوع ما يتساءلون عنه على طريقة استعمال فعل ( يحذر ) في قوله تعالى : يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ [ التوبة : 64 ] فيكونون قصدوا بالسؤال الاستهزاء . وذهب المفسرون فريقين في كلتا الطريقتين يرجّح كلّ فريق ما ذهب إليه . والوجه حمل الآية على كلتيهما لأن المشركين كانوا متفاوتين في التكذيب ، فعن ابن عباس : « لما نزل القرآن كانت قريش يتحدثون فيما بينهم فمنهم مصدق ومنهم مكذب » . وعن الحسن وقتادة مثل قول ابن عباس ، وقيل : هو سؤال استهزاء أو تعجب وإنما هم موقنون بالتكذيب . فأما التساؤل الحقيقي فإن يسأل أحد منهم غيره عن بعض أحوال هذا النبأ فيسأل المسؤول سائله سؤالا عن حال آخر من أحوال النبأ ، إذ يخطر لكل واحد في ذلك خاطر غير الذي خطر للآخر فيسأل سؤال مستثبت ، أو سؤال كشف عن معتقدة ، أو ما يوصف به المخبر بهذا النبأ كما قال بعضهم لبعض : أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ [ سبأ : 8 ] وقال بعض آخر : أَ إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَ إِنَّا لَمُخْرَجُونَ إلى قوله : إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [ النمل : 67 ، 68 ] . وأما التساؤل الصوري فإن يسأل بعضهم بعضا عن هذا الخبر سؤال تهكم واستهزاء فيقول أحدهم : هل بلغك خبر البعث ؟ ويقول له الآخر : هل سمعت ما قال ؟ فإطلاق لفظ التساؤل حقيقي لأنه موضوع لمثل تلك المساءلة وقصدهم منه غير حقيقي بل تهكمي . والاستفهام بما في قوله : عَمَّ يَتَساءَلُونَ ليس استفهاما حقيقيا بل هو مستعمل في التشويق إلى تلقي الخبر نحو قوله تعالى : هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ [ الشعراء : 221 ] . والموجّه إليه الاستفهام من قبيل خطاب غير المعين . وضمير يَتَساءَلُونَ يجوز أن يكون ضمير جماعة الغائبين مرادا به المشركون ولم يسبق لهم ذكر في هذا الكلام ولكن ذكرهم متكرر في القرآن فصاروا معروفين بالقصد من بعض ضمائره ، وإشاراته المبهمة ، كالضمير في قوله تعالى : حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ ص : 32 ] ( يعني الشمس ) كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ [ القيامة : 26 ] ( يعني الروح ) ، فإن جعلت الكلام من باب الالتفات فالضمير ضمير جماعة المخاطبين .