الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
64
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
خاسِرَةٌ استئنافا من جانب اللّه تعالى . وعبر عن قولهم هذا بصيغة الماضي دون المضارع على عكس يَقُولُونَ أَ إِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ [ النازعات : 10 ] لأن هذه المقالة قالوها استهزاء فليست مما يتكرر منهم بخلاف قولهم : أَ إِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ فإنه حجة ناهضة في زعمهم ، فهذا مما يتكرر منهم في كل مقام . وبذلك لم يكن المقصود التعجيب من قولهم هذا لأن التعجيب يقتضي الإنكار وكون كرّتهم ، أي عودتهم إلى الحياة عودة خاسرة أمر محقق لا ينكر لأنهم يعودون إلى الحياة خاسرين لا محالة . و تِلْكَ إشارة إلى الرّدة المستفادة من ( مردودون ) والإشارة إليه باسم الإشارة للمؤنث للإخبار عنه ب كَرَّةٌ و ( إذن ) جواب للكلام المتقدم ، والتقدير : إذن تلك كرة خاسرة ، فقدم تِلْكَ على حرف الجواب للعناية بالإشارة . والكرة : الواحدة من الكرّ ، وهو الرجوع بعد الذهاب ، أي رجعة . والخسران : أصله نقص مال التجارة التي هي لطلب الربح ، أي زيادة المال فاستعير هنا لمصادفة المكروه غير المتوقع . ووصف الكرّة بالخاسرة مجاز عقلي للمبالغة لأن الخاسر أصحابها . والمعنى : إنا إذن خاسرون لتكذيبنا وتبيّن صدق الذي أنذرنا بتلك الرجعة . [ 13 ، 14 ] [ سورة النازعات ( 79 ) : الآيات 13 إلى 14 ] فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ ( 13 ) فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ ( 14 ) الفاء فصيحة للتفريع على ما يفيده قولهم أَ إِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ * أَ إِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً [ النازعات : 9 ، 10 ] من إحالتهم الحياة بعد البلى والفناء . فتقدير الكلام : لا عجب في ذلك فما هي إلا زجرة واحدة فإذا أنتم حاضرون في الحشر . وضمير ( هي ) ضمير القصة وهو ضمير الشأن . واختير الضمير المؤنث ليحسن عوده إلى زجرة . وهذا من أحسن استعمالات ضمير الشأن . والقصر حقيقي مراد منه تأكيد الخبر بتنزيل السامع منزلة من يعتقد أن زجرة واحدة غير كافية في إحيائهم .