الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

65

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وفاء فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ للتفريع على جملة فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ و ( إذا ) للمفاجأة ، أي الحصول دون تأخير فحصل تأكيد معنى التفريع الذي أفادته الفاء وذلك يفيد عدم الترتب بين الزجرة والحصول في الساهرة . والزّجرة : المرّة من الزجر ، وهو الكلام الذي فيه أمر أو نهي في حالة غضب ، يقال : زجر البعير ، إذا صاح له لينهض أو يسير ، وعبر بها هنا عن أمر اللّه بتكوين أجساد الناس الأموات تصويرا لما فيه من معنى التسخير لتعجيل التكوّن . وفيه مناسبة لإحياء ما كان هامدا كما يبعث البعير البارك بزجرة ينهض بها سريعا خوفا من زاجره . وقد عبر عن ذلك بالصيحة في قوله تعالى : يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ [ ق : 42 ] وهو الذي عبّر عنه بالنفخ في الصّور . ووصفت الزجرة بواحدة تأكيدا لما في صيغة المرة من معنى الوحدة لئلا يتوهم أن إفراده للنوعية ، وهذه الزجرة هي النفخة الثانية التي في قوله تعالى : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ [ الزمر : 68 ] فهي ثانية للتي قبلها ، وهي الرَّادِفَةُ التي تقدم ذكرها آنفا وإنما أريد بكونها واحدة أنها لا تتبع بثانية لها ، وقد وصفت بواحدة في صورة الحاقة بهذا الاعتبار . و ( الساهرة ) : الأرض المستوية البيضاء التي لا نبات فيها يختار مثلها لاجتماع الجموع ووضع المغانم . وأريد بها أرض يجعلها اللّه لجمع الناس للحشر . والإتيان ب ( إذا ) الفجائية للدلالة على سرعة حضورهم بهذا المكان عقب البعث . وعطفها بالفاء لتحقيق ذلك المعنى الذي أفادته ( إذا ) لأن الجمع بين المفاجأة والتفريع أشد ما يعبر به عن السرعة مع إيجاز اللفظ . والمعنى : أن اللّه يأمر بأمر التكوين بخلق أجساد تحلّ فيها الأرواح التي كانت في الدنيا فتحضر في موقف الحشر للحساب بسرعة . [ 15 - 19 ] [ سورة النازعات ( 79 ) : الآيات 15 إلى 19 ] هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى ( 15 ) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً ( 16 ) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى ( 17 ) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى ( 18 ) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى ( 19 ) هذه الآية اعتراض بين جملة فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ [ النازعات : 13 ] وبين جملة أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً [ النازعات : 27 ] الذي هو الحجة على إثبات البعث ثم الإنذار بما بعده