الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
556
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يتمكن من تدليته بغرور . ووصف الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ ب الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ لتقريب تصوير الوسوسة كي يتقيها المرء إذا اعترته لخفائها ، وذلك بأن بيّن أنّ مكان إلقاء الوسوسة هو صدور الناس وبواطنهم فعبّر بها عن الإحساس النفسي كما قال تعالى : وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [ الحج : 46 ] وقال تعالى : إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ [ غافر : 56 ] . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « الإثم ما حاك في الصدر وتردّد في القلب » ، فغاية الوسواس من وسوسته بثّها في نفس المغرور والمشبوك في فخّه ، فوسوسة الشياطين اتصالات جاذبية النفوس نحو داعية الشياطين . وقد قرّبها النبي صلى اللّه عليه وسلم في آثار كثيرة بأنواع من التقريب منها : « أنها كالخراطيم يمدها الشيطان إلى قلب الإنسان » وشبهها مرة بالنفث ، ومرة بالإبساس . وفي الحديث : « إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما » . وإطلاق فعل يُوَسْوِسُ على هذا العمل الشيطاني مجاز إذ ليس للشيطان كلام في باطن الإنسان . وأما إطلاقه على تسويل الإنسان لغيره عمل السوء فهو حقيقة . وتعلّق المجرور من قوله : فِي صُدُورِ النَّاسِ بفعل يُوَسْوِسُ بالنسبة لوسوسة الشيطان تعلق حقيقي ، وأما بالنسبة لوسوسة الناس فهو مجاز عقلي لأن وسوسة الناس سبب لوقوع أثرها في الصدور فكان في كلّ من فعل يُوَسْوِسُ ومتعلّقه استعمال اللفظين في الحقيقة والمجاز . و مِنَ في قوله : مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ بيانية بينت الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ بأنه جنس ينحلّ باعتبار إرادة حقيقته ، ومجازه إلى صنفين : صنف من الجنّة وهو أصله ، وصنف من الناس وما هو إلا تبع وولي للصنف الأول ، وجمع اللّه هذين الصنفين في قوله : وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [ الأنعام : 112 ] . ووجه الحاجة إلى هذا البيان خفاء ما ينجرّ من وسوسة نوع الإنسان ، لأن الأمم اعتادوا أن يحذرهم المصلحون من وسوسة الشيطان ، وربما لا يخطر بالبال أن من الوسواس ما هو شر من وسواس الشياطين ، وهو وسوسة أهل نوعهم وهو أشد خطرا وهم بالتعوذ منهم أجدر ، لأنهم منهم أقرب وهو عليهم أخطر ، وأنهم في وسائل الضر أدخل وأقدر .