الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
557
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ولا يستقيم أن يكون مِنَ بيانا للناس إذ لا يطلق اسم النَّاسِ على ما يشمل الجن ومن زعم ذلك فقد أبعد . وقدم الْجِنَّةِ على النَّاسِ هنا لأنهم أصل الوسواس كما علمت بخلاف تقديم الإنس على الجن في قوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ [ الأنعام : 112 ] لأن خبثاء الناس أشد مخالطة للأنبياء من الشياطين ، لأن اللّه عصم أنبياءه من تسلط الشياطين على نفوسهم قال تعالى : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ [ الحجر : 42 ] فإن اللّه أراد إبلاغ وحيه لأنبيائه فزكّى نفوسهم من خبث وسوسة الشياطين ، ولم يعصمهم من لحاق ضر الناس بهم والكيد لهم لضعف خطره ، قال تعالى : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [ الأنفال : 30 ] ولكنه ضمن لرسله النجاة من كل ما يقطع إبلاغ الرسالة إلى أن يتم مراد اللّه . والجنة : اسم جمع جني بياء النسب إلى نوع الجن ، فالجني الواحد من نوع الجن كما يقال : إنسيّ للواحد من الإنس . وتكرير كلمة النَّاسِ في هذه الآيات المرتين الأوليين باعتبار معنى واحد إظهار في مقام الإضمار لقصد تأكيد ربوبية اللّه تعالى وملكه وإلهيته للناس كلهم كقوله تعالى : يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ [ آل عمران : 78 ] . وأما تكريره المرة الثالثة بقوله : فِي صُدُورِ النَّاسِ فهو إظهار لأجل بعد المعاد . وأما تكريره المرة الرابعة بقوله : مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ فلأنه بيان لأحد صنفي الذي يوسوس في صدور الناس ، وذلك غير ما صدق كلمة النَّاسِ في المرّات السابقة . واللّه يكفينا شر الفريقين ، وينفعنا بصالح الثقلين . تم تفسير « سورة الناس » وبه تم تفسير القرآن العظيم . يقول محمد الطاهر ابن عاشور : قد وفيت بما نويت ، وحقق اللّه ما ارتجيت فجئت بما سمح به الجهد من بيان معاني القرآن ودقائق نظامه وخصائص بلاغته ، مما اقتبس الذهن من أقوال الأئمة ، واقتدح من زند لإنارة الفكر وإلهاب الهمّة ، وقد جئت بما أرجو أن أكون وفّقت فيه للإبانة عن حقائق مغفول عنها ، ودقائق ربما جلت وجوها ولم تجل كنها ، فإن هذا منال لا يبلغ العقل البشري إلى تمامه ، ومن رام ذلك فقد رام والجوزاء