الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
50
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
إفادة الحكم لأن كون ما سبق إنذارا أمر معلوم للمخاطبين . وافتتح الخبر بحرف التأكيد للمبالغة في الإعذار بتنزيلهم منزلة من يتردد في ذلك . وجعل المسند فعلا مسندا إلى الضمير المنفصل لإفادة تقوّي الحكم ، مع تمثيل المتكلم في مثل المتبرئ من تبعه ما عسى أن يلحق المخاطبين من ضرّ إن لم يأخذوا حذرهم مما أنذرهم به كما يقول النذير عند العرب بعد الإنذار بالعدوّ « أنا النذير العريان » . والإنذار : الإخبار بحصول ما يسوء في مستقبل قريب . وعبر عنه بالمضي لأن أعظم الإنذار قد حصل بما تقدم من قوله : إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً لِلطَّاغِينَ مَآباً إلى قوله : فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً [ النبأ : 21 - 30 ] . وقرب العذاب مستعمل مجازا في تحققه وإلا فإنه بحسب العرف بعيد ، قال تعالى : إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً [ المعارج : 6 ، 7 ] ، أي لتحققه فهو كالقريب على أن العذاب يصدق بعذاب الآخرة وهو ما تقدم الإنذار به ، ويصدق بعذاب الدنيا من القتل والأسر في غزوات المسلمين لأهل الشرك . وعن مقاتل : هو قتل قريش ببدر . ويشمل عذاب يوم الفتح ويوم حنين كما ورد لفظ العذاب لذلك في قوله تعالى : يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ [ التوبة : 14 ] وقوله : وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ [ الطور : 47 ] . يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً يجوز أن يتعلق بفعل : اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً [ النبأ : 39 ] فيكون يَوْمَ يَنْظُرُ ظرفا لغوا متعلقا ب أَنْذَرْناكُمْ ويجوز أن يكون بدلا من يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا [ النبأ : 38 ] لأن قيام الملائكة صفّا حضور لمحاسبة الناس وتنفيذ فصل القضاء عليهم وذلك حين ينظر المرء ما قدمت يداه ، أي ما عمله سالفا فهو بدل من الظرف تابع له في موقعه . وعلى كلا الوجهين فجملة إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً معترضة بين الظرف ومتعلقه أو بينه وبين ما أبدل منه . والمرء : اسم للرجل إذ هو اسم مؤنثه امرأة . والاقتصار على المرء جري على غالب استعمال العرب في كلامهم ، فالكلام خرج