الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
51
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
مخرج الغالب في التخاطب لأن المرأة كانت بمعزل عن المشاركة في شؤون ما كان خارج البيت . والمراد : ينظر الإنسان من ذكر أو أنثى ، ما قدمت يداه ، وهذا يعلم من استقراء الشريعة الدال على عموم التكاليف للرجال والنساء إلا ما خص منها بأحد الصنفين لأن الرجل هو المستحضر في أذهان المتخاطبين عند التخاطب . وتعريف الْمَرْءُ للاستغراق مثل إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [ العصر : 2 - 3 ] . وفعل يَنْظُرُ يجوز أن يكون من نظر العين أي البصر ، والمعنى : يوم يرى المرء ما قدمته يداه . ومعنى نظر المرء ما قدمت يداه : حصول جزاء عمله له ، فعبر عنه بالنظر لأن الجزاء لا يخلو من أن يكون مرئيا لصاحبه من خير أو شر ، فإطلاق النظر هنا على الوجدان على وجه المجاز المرسل بعلاقة الإطلاق ونظيره قوله تعالى : لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ [ الزلزلة : 6 ] ، وقد جاءت الحقيقة في قوله تعالى : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً [ آل عمران : 30 ] الآية ، و ( ما ) موصولة صلتها جملة قَدَّمَتْ يَداهُ ويجوز أن يكون من نظر الفكر ، وأصله مجاز شاع حتى لحق بالمعاني الحقيقة كما يقال : هو بخير النظرين . ومنه التنظّر : توقع الشيء ، أي يوم يترقب ويتأمل ما قدمت يداه ، وتكون ( ما ) على هذا الوجه استفهامية وفعل يَنْظُرُ معلقا عن العمل بسبب الاستفهام ، والمعنى : ينظر المرء جواب من يسأل : ما قدمت يداه ؟ ويجوز أن يكون من الانتظار كقوله تعالى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ [ الأعراف : 53 ] . وتعريف الْمَرْءُ تعريف الجنس المفيد للاستغراق . والتقديم : تسبيق الشيء والابتداء به . و ما قَدَّمَتْ يَداهُ هو ما أسلفه من الأعمال في الدنيا من خير أو شر فلا يختص بما عمله من السيئات فقد قال تعالى : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ [ آل عمران : 30 ] الآية . وقوله : ما قَدَّمَتْ يَداهُ إما مجاز مرسل بإطلاق اليدين على جميع آلات الأعمال وإما أن يكون بطريقة التمثيل بتشبيه هيئة العامل لأعماله المختلفة بهيئة الصانع للمصنوعات