الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

499

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الصدقة على الفقراء . فقد كانت الصدقة واجبة في صدر الإسلام بغير تعيين قبل مشروعية الزكاة . وقال سعيد بن المسيب وابن شهاب : الماعون : المال بلسان قريش . وروى أشهب عن مالك : الماعون : الزكاة ، ويشهد له قول الراعي : قوم على الإسلام لمّا يمنعوا * ماعونهم ويضيّعوا التهليلا لأنه أراد بالتهليل الصلاة فجمع بينها وبين الزكاة . ويطلق على ما يستعان به على عمل البيت من آنية وآلات طبخ وشدّ وحفر ونحو ذلك مما لا خسارة على صاحبه في إعارته وإعطائه . وعن عائشة : الماعون الماء والنار والملح . وهذا ذم لهم بمنتهى البخل . وهو الشح بما لا يزرئهم . وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله : هُمْ يُراؤُنَ لتقوية الحكم ، أي تأكيده . فأما على القول بأن السورة مدنية أو بأن هذه الآيات الثلاث مدنية يكون المراد بالمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون والصلات بعدها : المنافقين ، فإطلاق المصلين عليهم بمعنى المتظاهرين بأنهم يصلون وهو من إطلاق الفعل على صورته كقوله تعالى : يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ [ التوبة : 64 ] أي يظهرون أنهم يحذرون تنزيل سورة . وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ أي الصدقة أو الزكاة ، قال تعالى في المنافقين : وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ [ التوبة : 67 ] فلما عرفوا بهذه الخلال مفاد فاء التفريع أن أولئك المتظاهرين بالصلاة وهم تاركوها في خاصتهم هم من جملة المكذبين بيوم الدين ويدعّون اليتيم ولا يحضّون على طعام المسكين . وحكى هبة اللّه بن سلامة في كتاب « الناسخ والمنسوخ » : أن هذه الآيات الثلاث نزلت في عبد اللّه بن أبي ابن سلول ، أي فإطلاق صيغة الجمع عليه مراد بها واحد على حد قوله تعالى : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [ الشعراء : 105 ] أي الرسول إليهم . والسهو حقيقته : الذهول عن أمر سبق علمه ، وهو هنا مستعار للإعراض والترك عن عمد استعارة تهكمية مثل قوله تعالى : وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ [ الأنعام : 41 ] أي تعرضون عنهم ، ومثله استعارة الغفلة للإعراض في قوله تعالى : بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها