الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
450
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وجملة : وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ عطف على جملة مَا الْقارِعَةُ والخطاب في أَدْراكَ لغير معين ، أي وما أدراك أيها السامع . وتقدم نظير هذا عند قوله تعالى : الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ [ الحاقة : 1 - 3 ] وتقدم بعضه عند قوله تعالى : وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ في سورة الانفطار [ 17 ] . [ 4 ، 5 ] [ سورة القارعة ( 101 ) : الآيات 4 إلى 5 ] يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ ( 4 ) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ( 5 ) يَوْمَ مفعول فيه منصوب بفعل مضمر دل عليه وصف القارعة لأنه في تقدير : تقرع ، أو دل عليه الكلام كله فيقدر : تكون ، أو تحصل ، يوم يكون الناس كالفراش . وجملة : يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ مع متعلقها المحذوف بيان للإبهامين اللذين في قوله : مَا الْقارِعَةُ [ القارعة : 2 ] وقوله : وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ [ القارعة : 3 ] . وليس قوله : يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ خبرا عن الْقارِعَةُ إذ ليس سياق الكلام لتعيين يوم وقوع القارعة . والمقصود بهذا التوقيت زيادة التهويل بما أضيف إليه يَوْمَ من الجملتين المفيدتين أحوالا هائلة ، إلا أن شأن التوقيت أن يكون بزمان معلوم ، وإذ قد كان هذا الحال الموقت بزمانه غير معلوم مداه . كان التوقيت له إطماعا في تعيين وقت حصوله إذ كانوا يسألون متى هذا الوعد ، ثم توقيته بما هو مجهول لهم إبهاما آخر للتهويل والتحذير من مفاجأته ، وأبرز في صورة التوقيت للتشويق إلى البحث عن تقديره ، فإذا باء الباحث بالعجز عن أخذ بحيطة الاستعداد لحلوله بما ينجيه من مصائبه التي قرعت به الأسماع في آي كثيرة . فحصل في هذه الآية تهويل شديد بثمانية طرق : وهي الابتداء باسم القارعة ، المؤذن بأمر عظيم ، والاستفهام المستعمل في التهويل ، والإظهار في مقام الإضمار أول مرة ، والاستفهام عما ينبئ بكنه القارعة ، وتوجيه الخطاب إلى غير معين ، والإظهار في مقام الإضمار ثاني مرة ، والتوقيت بزمان مجهول حصوله وتعريف ذلك الوقت بأحوال مهولة . والفراش : فرخ الجراد حين يخرج من بيضه من الأرض يركب بعضه بعضا وهو ما في قوله تعالى : يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ [ القمر : 7 ] . وقد يطلق الفراش على ما يطير من الحشرات ويتساقط على النار ليلا وهو إطلاق آخر لا يناسب تفسير لفظ