الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

451

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الآية هنا به . و الْمَبْثُوثِ : المتفرق على وجه الأرض . وجملة : وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ معترضة بين جملة يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ وجملة : فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ [ القارعة : 6 ] إلخ . وهو إدماج لزيادة التهويل . ووجه الشبه كثرة الاكتظاظ على أرض المحشر . والعهن : الصوف ، وقيل : يختص بالمصبوغ الأحمر ، أو ذي الألوان ، كما في قول زهير : كأنّ فتات العهن في كل منزل * نزلن به حبّ الفنا لم يحطّم لأن الجبال مختلفة الألوان بحجارتها ونبتها قال تعالى : وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها [ فاطر : 27 ] . والمنفوش : المفرق بعض أجزائه عن بعض ليغزل أو تحشى به الحشايا ، ووجه الشبه تفرق الأجزاء لأن الجبال تندكّ بالزلازل ونحوها فتتفرق أجزاء . وإعادة كلمة تَكُونُ مع حرف العطف للإشارة إلى اختلاف الكونين فإن أولهما كون إيجاد ، والثاني كون اضمحلال ، وكلاهما علامة على زوال عالم وظهور عالم آخر . وتقدم قوله تعالى : وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ في سورة المعارج [ 9 ] . [ 6 - 11 ] [ سورة القارعة ( 101 ) : الآيات 6 إلى 11 ] فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ( 6 ) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ( 7 ) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ ( 8 ) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ( 9 ) وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ ( 10 ) نارٌ حامِيَةٌ ( 11 ) تفصيل لما في قوله : يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ [ القارعة : 4 ] من إجمال حال الناس حينئذ ، فذلك هو المقصود بذكر اسم الناس الشامل لأهل السعادة وأهل الشقاء فلذلك كان تفصيلة بحالين : حال حسن وحال فظيع . وثقل الموازين كناية عن كونه بمحل الرضى من اللّه تعالى لكثرة حسناته ، لأن ثقل الميزان يستلزم ثقل الموزون وإنما توزن الأشياء المرغوب في اقتنائها ، وقد شاع عند العرب الكناية عن الفضل والشرف وأصالة الرأي بالوزن ونحوه ، وبضد ذلك يقولون :