الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

449

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

عنه محذوف نحو : القارعة قريبة ، أو يقدر فعل محذوف نحو أتت القارعة ، ويكون قوله : مَا الْقارِعَةُ استئنافا للتهويل ، وجعل آية ثانية عند أهل الكوفة ، وعليه فالسورة مسمطة من ثلاث فواصل في أولها وثلاث في آخرها وفاصلتين وسطها . وإعادة لفظ الْقارِعَةُ إظهار في مقام الإضمار عدل عن أن يقال : القارعة ماهية ، لما في لفظ القارعة من التهويل والترويع ، وإعادة لفظ المبتدأ أغنت عن الضمير الرابط بين المبتدأ وجملة الخبر . والقارعة : وصف من القرع وهو ضرب جسم بآخر بشدة لها صوت . وأطلق القرع مجازا على الصوت الذي يتأثر به السامع تأثّر خوف أو اتعاظ ، يقال : قرع فلانا ، أي زجره وعنّفه بصوت غضب . وفي المقامة الأولى : « ويقرع الأسماع بزواجر وعظه » . وأطلقت الْقارِعَةُ على الحدث العظيم وإن لم يكن من الأصوات كقوله تعالى : وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ [ الرعد : 31 ] وقيل : تقول العرب : قرعت القوم قارعة ، إذا نزل بهم أمر فظيع ولم أقف عليه فيما رأيت من كلام العرب قبل القرآن . وتأنيث الْقارِعَةُ لتأويلها بالحادثة أو الكائنة . و مَا استفهامية ، والاستفهام مستعمل في التهويل على طريقة المجاز المرسل المركب لأن هول الشيء يستلزم تساؤل الناس عنه . ف الْقارِعَةُ هنا مراد بها حادثة عظيمة . وجمهور المفسرين على أن هذه الحادثة هي الحشر فجعلوا القارعة من أسماء يوم الحشر مثل القيامة ، وقيل : أريد بها صيحة النفخة في الصّور ، وعن الضحاك : القارعة النار ذات الزفير ، كأنه يريد أنها اسم جهنم . وهذا التركيب نظير قوله تعالى : الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ [ الحاقة : 1 - 3 ] وقد تقدم . ومعنى وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ زيادة تهويل أمر القارعة و ما استفهامية صادقة على شخص ، والتقدير : وأي شخص أدراك ، وهو مستعمل في تعظيم حقيقتها وهولها لأن هول الأمر يستلزم البحث عن تعرفه . وأدراك : بمعنى أعلمك . و مَا الْقارِعَةُ استفهام آخر مستعمل في حقيقته ، أي ما أدراك جواب هذا الاستفهام . وسدّ الاستفهام مسدّ مفعولي أَدْراكَ