الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
445
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والمقصود من هذه الجملة تفظيع كنود الإنسان بأنه معلوم لصاحبه بأدنى تأمل في أقواله وأفعاله . وعلى هذا فحرف عَلى متعلق ب « شهيد » واسم الإشارة مشار به إلى الكنود المأخوذ من صفة « كنود » . ويجوز أن يكون « شهيد » بمعنى ( عليم ) كقول الحارث بن حلّزة في عمرو بن هند : وهو الربّ والشهيد على يو * م الخيارين والبلاء بلاء ومتعلق « شهيد » محذوفا دلّ عليه المقام ، أي عليم بأن اللّه ربه ، أي بدلائل الربوبية ، ويكون قوله : عَلى ذلِكَ بمعنى : مع ذلك ، أي مع ذلك الكنود هو عليم بأنه ربه مستحق للشكر والطاعة لا للكنود ، فحرف عَلى بمعنى ( مع ) كقوله : وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ [ البقرة : 177 ] و يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ [ الإنسان : 8 ] وقول الحارث بن حلزة : فبقينا على الشّناءة تنم * نا حصون وعزة قعساء والجار والمجرور في موضع الحال وذلك زيادة في التعجيب من كنود الإنسان . وقال ابن عباس والحسن وسفيان : ضمير وَإِنَّهُ عائد إلى « ربه » ، أي وأن اللّه على ذلك لشهيد ، والمقصود أن اللّه يعلم ذلك في نفس الإنسان ، وهذا تعريض بالتحذير من الحساب عليه . وهذا يسوغه أن الضمير عائد إلى أقرب مذكور ونقل عن مجاهد وقتادة كلا الوجهين فلعلهما رأيا جواز المحملين وهو أولى . وتقديم عَلى ذلِكَ على « شهيد » للاهتمام والتعجيب ومراعاة الفاصلة . والشديد : البخيل . قال أبو ذؤيب راثيا : حذرناه بأثواب في قعر هوة * شديد على ما ضمّ في اللحد جولها والجول بالفتح والضّم : التراب ، كما يقال للبخيل المتشدد أيضا قال طرفة : عقيلة مال الفاحش المتشدد واللام في لِحُبِّ الْخَيْرِ لام التعليل ، والخير : المال قال تعالى : إِنْ تَرَكَ خَيْراً [ البقرة : 18 ] . والمعنى : إن في خلق الإنسان الشّحّ لأجل حبه المال ، أي الازدياد منه قال تعالى : وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ الحشر : 9 ] . وتقديم لِحُبِّ الْخَيْرِ على متعلّقه للاهتمام بغرابة هذا المتعلق ولمراعاة الفاصلة ،