الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
446
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وتقديمه على عامله المقترن بلام الابتداء ، وهي من ذوات الصدر لأنه مجرور كما علمت في قوله : لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وحب المال يبعث على منع المعروف ، وكان العرب يعيّرون بالبخل وهم مع ذلك يبخلون في الجاهلية بمواساة الفقراء والضعفاء ويأكلون أموال اليتامى ولكنهم يسرفون في الإنفاق في مظان السمعة ومجالس الشرب وفي الميسر قال تعالى : وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا [ الفجر : 18 - 20 ] . [ 9 ، 10 ] [ سورة العاديات ( 100 ) : الآيات 9 إلى 10 ] أَ فَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ ( 9 ) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ ( 10 ) فرع على الإخبار بكنود الإنسان وشحه استفهام إنكاري عن عدم علم الإنسان بوقت بعثرة ما في القبور وتحصيل ما في الصدور فإنه أمر عجيب كيف يغفل عنه الإنسان . وهمزة الاستفهام قدمت على فاء التفريع لأن الاستفهام صدر الكلام . وانتصب إِذا على الظرفية لمفعول يَعْلَمُ المحذوف اقتصارا ، ليذهب السامع في تقديره كلّ مذهب ممكن قصدا للتهويل . والمعنى : ألا يعلم العذاب جزاء له على ما في كنوده وبخله من جناية متفاوتة المقدار إلى حد إيجاب الخلود في النار . وحذف مفعولا يَعْلَمُ ولا دليل في اللفظ على تعيين تقديرهما فيوكل إلى السامع تقدير ما يقتضيه المقام من الوعيد والتهويل ويسمى هذا الحذف عند النحاة الحذف الاقتصاري ، وحذف كلا المفعولين اقتصارا جائز عند جمهور النحاة وهو التحقيق وإن كان سيبويه يمنعه . و بُعْثِرَ : معناه قلب من سفل إلى علوّ ، والمراد به إحياء ما في القبور من الأموات الكاملة الأجساد أو أجزائها ، وتقدم بيانه عند قوله تعالى : وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ في سورة الانفطار [ 4 ] . و حُصِّلَ : جمع وأحصي . و ما فِي الصُّدُورِ : هو ما في النفوس من ضمائر وأخلاق ، أي جمع عدّه والحساب عليه . [ 11 ] [ سورة العاديات ( 100 ) : آية 11 ] إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ( 11 )