الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

380

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الفاء من الكلام مسبّب عن البيان الذي قبل الفاء ، أي فقد بان لك أن غير الذين آمنوا هم الذين ردّوا إلى أسفل سافلين ، فمن يكذب منهم بالدين الحق بعد هذا البيان . و ( ما ) يجوز أن تكون استفهامية ، والاستفهام توبيخي ، والخطاب للإنسان المذكور في قوله : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [ التين : 4 ] فإنه بعد أن استثني منه الذين آمنوا بقي الإنسان المكذب . وضمير الخطاب التفات ، ومقتضى الظاهر أن يقال : فما يكذبه . ونكتة الالتفات هنا أنه أصرح في مواجهة الإنسان المكذب بالتوبيخ . ومعنى يُكَذِّبُكَ يجعلك مكذبا ، أي لا عذر لك في تكذيبك بالدين . ومتعلق التكذيب : إمّا محذوف لظهوره ، أي يجعلك مكذّبا بالرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وأمّا المجرور بالباء ، أي يجعلك مكذبا بدين الإسلام ، أو مكذبا بالجزاء إن حمل الدين على معنى الجزاء وجملة : أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ مستأنفة للتهديد والوعيد . و ( الدين ) يجوز أن يكون بمعنى الملة والشريعة ، كقوله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [ آل عمران : 19 ] وقوله : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً [ آل عمران : 85 ] . وعليه تكون الباء للسببية ، أي فمن يكذبك بعد هذا بسبب ما جئت به من الدين فاللّه يحكم فيه . ومعنى يُكَذِّبُكَ : ينسبك للكذب بسبب ما جئت به من الدين أو ما أنذرت به من الجزاء ، وأسلوب هذا التركيب مؤذن بأنهم لم يكونوا ينسبون النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى الكذب قبل أن يجيئهم بهذا الدين . ويجوز أن يكون « الدين » بمعنى الجزاء في الآخرة كقوله : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [ الفاتحة : 4 ] وقوله : يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ [ الانفطار : 15 ] وتكون الباء صلة ( يكذب ) كقوله : وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ [ الأنعام : 66 ] وقوله : قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ « 1 » [ الأنعام : 57 ] . ويجوز أن تكون ( ما ) موصولة وما صدقها المكذب ، فهي بمعنى ( من ) ، وهي في محل مبتدإ ، والخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، والضمير المستتر في يُكَذِّبُكَ عائد إلى ( ما ) وهو الرابط للصلة بالموصول ، والباء للسببية ، أي ينسبك إلى الكذب بسبب ما جئت به من

--> ( 1 ) في المطبوعة : ( قل أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وكذبتم به ) وهو خطأ .