الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
344
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ 14 - 21 ] [ سورة الليل ( 92 ) : الآيات 14 إلى 21 ] فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى ( 14 ) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى ( 15 ) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 16 ) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ( 17 ) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى ( 18 ) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى ( 19 ) إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى ( 20 ) وَلَسَوْفَ يَرْضى ( 21 ) يجوز أن تكون الفاء لمجرد التفريع الذكري إذا كان فعل : « أنذرتكم » مستعملا في ماضية حقيقة وكان المراد الإنذار الذي اشتمل عليه قوله : وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى إلى قوله : تَرَدَّى [ الليل : 8 - 11 ] . وهذه الفاء يشبه معناها معنى فاء الفصيحة لأنها تدلّ على مراعاة مضمون الكلام الذي قبلها وهو تفريع إنذار مفصّل على إنذار مجمل . ويجوز أن تكون الفاء للتفريع المعنوي فيكون فعل « أنذرتكم » مرادا به الحال وإنما صيغ في صيغة المضي لتقريب زمان الماضي من الحال كما في : قد قامت الصلاة ، وقولهم : عزمت عليك إلّا ما فعلت كذا ، أي أعزم عليك ، ومثل ما في صيغ العقود : كبعت ، وهو تفريع على جملة : إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى [ الليل : 12 ] والمعنى : هديكم فأنذرتكم إبلاغا في الهدى . وتنكير ناراً للتهويل ، وجملة تَلَظَّى نعت . وتلظى : تلتهب من شدة الاشتعال . وهو مشتق من اللّظى مصدر : لظيت النار كرضيت إذا التهبت ، وأصل تَلَظَّى تتلظى بتاءين حذفت إحداهما للاختصار . وجملة لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى صفة ثانية أو حال من ناراً بعد أن وصفت . وهذه نار خاصة أعدت للكافرين فهي التي في قوله : فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [ البقرة : 24 ] والقرينة على ذلك قوله : وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الآية . وذكر القرطبي أن أبا إسحاق الزجاج قال : هذه الآية التي من أجلها قال أهل الإرجاء بالإرجاء فزعموا : أن لا يدخل النار إلا كافر ، وليس الأمر كما ظنوا : هذه نار موصوفة بعينها لا يصلى هذه النار إلا الذي كذب وتولى ، ولأهل النار منازل فمنها أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ا ه . والمعنى : لا يصلاها إلا أنتم . وقد أتبع الْأَشْقَى بصفة الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى لزيادة التنصيص على أنهم