الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

345

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

المقصود بذلك فإنهم يعلمون أنهم كذبوا الرسول صلى اللّه عليه وسلم وتولوا ، أي أعرضوا عن القرآن ، وقد انحصر ذلك الوصف فيهم يومئذ فقد كان الناس في زمن ظهور الإسلام أحد فريقين : إما كافر وإما مؤمن تقي ، ولم يكن الذين أسلموا يغشون الكبائر لأنهم أقبلوا على الإسلام بشراشرهم ، ولذلك عطف وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى إلخ تصريحا بمفهوم القصر وتكميلا للمقابلة . و الْأَشْقَى و الْأَتْقَى مراد بهما : الشديد الشقاء والشديد التقوى ومثله كثير في الكلام . وذكر القرطبي : أن مالكا قال : صلّى بنا عمر بن عبد العزيز المغرب فقرأ وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى فلما بلغ : فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى وقع عليه البكاء فلم يقدر يتعدّاها من البكاء فتركها وقرأ سورة أخرى » . ووصف الْأَشْقَى بصلة الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ، ووصف الْأَتْقَى بصلة الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى للإيذان بأن للصلة تسببا في الحكم . وبين الْأَشْقَى و الْأَتْقَى محسن الجناس المضارع . وجملة يَتَزَكَّى حال في ضمير يُؤْتِي ، وفائدة الحال التنبيه على أنه يؤتي ماله لقصد النفع والزيادة من الثواب تعريضا بالمشركين الذي يؤتون المال للفخر والرياء والمفاسد والفجور . والتزكي : تكلف الزكاء ، وهو النماء من الخير . والمال : اسم جنس لما يختص به أحد الناس من أشياء ينتفع بذاتها أو بخراجها وغلتها مثل الأنعام والأرضين والآبار الخاصة والأشجار المختص به أربابها . ويطلق عند بعض العرب مثل أهل يثرب على النخيل . وليس في إضافة اسم الجنس ما يفيد العموم ، فلا تدل الآية على أنه آتى جميع ماله . وقوله : وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى الآية اتفق أهل التأويل على أن أول مقصود بهذه الصلة أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه لمّا أعتق بلالا قال المشركون : ما فعل ذلك أبو بكر إلا ليد كانت لبلال عنده . وهو قول من بهتانهم ( يعللون به أنفسهم كراهية