الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
310
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
نزلت في الحارث بن عامر بن نوفل ، زعم أنه أنفق مالا على إفساد أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم . وقيل : هو عمرو بن عبد ودّ الذي اقتحم الخندق في يوم الأحزاب ليدخل المدينة فقتله علي بن أبي طالب خلف الخندق . وليس لهذه الأقوال شاهد من النقل الصحيح ولا يلائمها القسم ولا السياق . والخلق : إيجاد ما لم يكن موجودا ، ويطلق على إيجاد حالة لها أثر قويّ في الذات كقوله تعالى : يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ [ الزمر : 6 ] وقوله : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ [ المائدة : 110 ] . فهو جعل يغير ذات الشيء . والكبد بفتحتين : التعب والشدة ، وقد تعددت أقوال المفسرين في تقرير المراد بالكبد ، ولم يعرج واحد منهم على ربط المناسبة بين ما يفسّر به الكبد وبين السياق المسوق له الكلام وافتتاحه بالقسم المشعر بالتأكيد وتوقع الإنكار ، حتى كأنّهم بصدد تفسير كلمة مفردة ليست واقعة في كلام يجب التئامه ، ويحق وئامه . وقد غضّوا النظر عن موقع فعل خَلَقْنَا على تفسيرهم الكبد إذ يكون فعل خَلَقْنَا كمعذرة للإنسان الكافر في ملازمة الكبد له إذ هو مخلوق فيه . وذلك يحط من شدة التوبيخ والذم ، فالذي يلتئم مع السياق ويناسب القسم أن الكبد التعب الذي يلازم أصحاب الشرك من اعتقادهم تعدد الآلهة . واضطراب رأيهم في الجمع بين ادعاء الشركاء للّه تعالى وبين توجّههم إلى اللّه بطلب الرزق وبطلب النجاة إذا أصابهم ضر . ومن إحالتهم البعث بعد الموت مع اعترافهم بالخلق الأول فقوله : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ دليل مقصودا وحده بل هو توطئة لقوله : أَ يَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ [ البلد : 5 ] . والمقصود إثبات إعادة خلق الإنسان بعد الموت للبعث والجزاء الذي أنكروه وابتدأهم القرآن بإثباته في سور كثيرة من السور الأولى . فوزان هذا التمهيد وزان التمهيد بقوله : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ [ التين : 4 ، 5 ] بعد القسم بقوله : التِّينِ وَالزَّيْتُونِ [ التين : 1 ] إلخ . فمعنى : أَ يَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ [ البلد : 5 ] : أيحسب أن لن نقدر عليه بعد اضمحلال جسده فنعيده خلقا آخر ، فهو في طريقة القسم والمقسم عليه بقوله تعالى : لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ إلى قوله : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ [ القيامة : 1 - 4 ] . أي كما خلقناه أول مرة في نصب من أطوار الحياة كذلك