الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

311

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

نخلقه خلقا ثانيا في كبد من العذاب في الآخرة لكفره . وبذلك يظهر موقع إدماج قوله فِي كَبَدٍ لأن المقصود التنظير بين الخلقين الأول والثاني في أنهما من مقدور اللّه تعالى . والظرفية من قوله : فِي كَبَدٍ مستعملة مجازا في الملازمة فكأنه مظروف في الكبد ، ونظيره قوله : بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ أَ فَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ [ سبأ : 8 ، 9 ] الآية . فالمراد : عذاب الدنيا ، وهو مشقة اضطراب البال في التكذيب واختلاق المعاذير والحيرة من الأمر على أحد التفسيرين لتلك الآية . فالمعنى : أن الكبد ملازم للمشرك من حين اتصافه بالإشراك وهو حين تقوّم العقل وكمال الإدراك . ومن الجائز أن يجعل قوله : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ من قبيل القلب المقبول لتضمنه اعتبارا لطيفا وهو شدة تلبّس الكبد بالإنسان المشرك حتى كأنه خلق في الكبد . والمعنى : لقد خلقنا الكبد في الإنسان الكافر . وللمفسرين تأويلات أخرى في معنى الآية لا يساعد عليها السياق . [ 5 ] [ سورة البلد ( 90 ) : آية 5 ] أَ يَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ( 5 ) هذه الجملة بدل اشتمال من جملة : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ [ البلد : 4 ] . والاستفهام مستعمل في التوبيخ والتخطئة . وضمير أَ يَحْسَبُ راجع إلى الإنسان لا محالة ، ومن آثار الحيرة في معنى لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ [ البلد : 4 ] أن بعض المفسرين جعل ضمير أَ يَحْسَبُ راجعا إلى بعض مما يعمه لفظ الإنسان مثل أبي الأشد الجمحي ، وهو ضغث على إبّالة . [ 6 ، 7 ] [ سورة البلد ( 90 ) : الآيات 6 إلى 7 ] يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً ( 6 ) أَ يَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ( 7 ) أعقبت مساوي نفسه بمذام أقواله ، وهو التفخر الكاذب والتمدح بإتلاف المال في غير صلاح . وقد كان أهل الجاهلية يتبجحون بإتلاف المال ويعدونه منقبة لإيذانه بقلة اكتراث صاحبه به ، قال عنترة : وإذا سكرت فإنّني مستهلك * مالي وعرضي وافر لم يكلم