الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

30

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والإخبار عن السماء بأنها أبواب جرى على طريق المبالغة في الوصف بذات أبواب للدلالة على كثرة المفاتح فيها حتى كأنها هي أبواب وقريب منه قوله تعالى : وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً [ القمر : 12 ] حيث أسند التفجير إلى لفظ الأرض ، وجيء باسم العيون تمييزا ، وهذا يناسب معنى قراءة التشديد ويؤكده ، ويقيد معنى قراءة التخفيف ويبينه . و ( كانت ) بمعنى : صارت . ومعنى الصيرورة من معاني ( كان ) وأخواتها الأربع وهي : ظلّ ، وبات ، وأمسى وأصبح ، وقرينة ذلك أنه مفرّع على فُتِحَتِ ونظيره قوله تعالى : فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ [ الرحمن : 37 ] . والأبواب : جمع باب ، وهو الفرجة التي يدخل منها في حائل من سور أو جدار أو حجاب أو خيمة ، وتقدم في قوله تعالى : وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ في سورة يوسف [ 23 ] . وقوله : ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ في سورة العقود [ 23 ] . [ 20 ] [ سورة النبأ ( 78 ) : آية 20 ] وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً ( 20 ) التسيير : جعل الشيء سائرا ، أي ماشيا . وأطلق هنا على النقل من المكان أي نقلت الجبال وقلعت من مقارّها بسرعة بزلازل أو نحوها كما دل عليه قوله تعالى : يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا [ المزمل : 14 ] ، حتى كأنها تسيّر من مكان إلى آخر وهو نقل يصحبه تفتيت كما دل عليه تعقيبه بقوله : فَكانَتْ سَراباً لأن ظاهر التعقيب أن لا تكون معه مهلة ، أي فكانت كالسراب في أنها لا شيء . والقول في بناء سُيِّرَتِ للمجهول كالقول في وَفُتِحَتِ السَّماءُ [ النبأ : 19 ] . وكذلك قوله : فَكانَتْ سَراباً هو كقوله : فَكانَتْ أَبْواباً [ النبأ : 19 ] . والسراب : ما يلوح في الصحاري مما يشبه الماء وليس بماء ولكنه حالة في الجو القريب تنشأ من تراكم أبخرة على سطح الأرض . وقد تقدم عند قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً في سورة النور [ 39 ] . [ 21 - 23 ] [ سورة النبأ ( 78 ) : الآيات 21 إلى 23 ] إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً ( 21 ) لِلطَّاغِينَ مَآباً ( 22 ) لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً ( 23 ) يجوز أن تكون جملة إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً في موضع خبر ثان ل إِنَّ من