الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
31
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
قوله : إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً [ النبأ : 17 ] والتقدير : إن يوم الفصل إنّ جهنم كانت مرصادا فيه للطاغين ، والعائد محذوف دل عليه قوله : مِرْصاداً أي مرصادا فيه ، أي في ذلك اليوم لأن معنى المرصاد مقترب من معنى الميقات إذ كلاهما محدد لجزاء الطاغين . ودخول حرف ( إنّ ) في خبر ( إن ) يفيد تأكيدا على التأكيد الذي أفاده حرف التأكيد الداخل على قوله : يَوْمَ الْفَصْلِ على حد قول جرير : إنّ الخليفة إنّ اللّه سربله * سربال ملك به تزجى الخواتيم ومنه قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ كما تقدم في سورة الحج [ 17 ] ، وتكون الجملة من تمام ما خوطبوا به بقوله : يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً [ النبأ : 18 ] . والتعبير ب « الطّاغين » إظهار في مقام الإضمار للتسجيل عليهم بوصف الطغيان لأن مقتضى الظاهر أن يقول : « لكم مآبا » . ويجوز أن تكون مستأنفة استئنافا بيانيا عن جملة إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً [ النبأ : 17 ] وما لحق بها لأن ذلك مما يثير في نفوس السامعين تطلّب ما ذا سيكون بعد تلك الأهوال فأجيب بمضمون إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً الآية . وعليه فليس في قوله : لِلطَّاغِينَ تخريج على خلاف مقتضى الظاهر . وابتدئ بذكر جهنم لأن المقام مقام تهديد إذ ابتدئت السورة بذكر تكذيب المشركين بالبعث ولما سنذكره من ترتيب نظم هذه الجمل . وجهنم : اسم لدار العذاب في الآخرة . قيل : وهو اسم معرّب فلعله معرب عن العبرانية أو عن لغة أخرى سامية ، وقد تقدم عند قوله تعالى : فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ في سورة البقرة [ 206 ] . والمرصاد : مكان الرصد ، أي الرقابة ، وهو بوزن مفعال الذي غلب في اسم آلة الفعل مثل مضمار للموضع الذي تضمّر فيه الخيل ، ومنهاج للموضع الذي ينهج منه . والمعنى : أن جهنم موضع يرصد منه الموكّلون بها ، ويترقبون من يزجى إليها من أهل الطغيان كما يترقب أهل المرصاد من يأتيه من عدوّ .