الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
270
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والنظر : نظر العين المفيد الاعتبار بدقائق المنظور ، وتعديته بحرف ( إلى ) تنبيه على إمعان النظر ليشعر الناظر مما في المنظور من الدقائق ، فإن قولهم نظر إلى كذا أشد في توجيه النظر من نظر كذا ، لما في ( إلى ) من معنى الانتهاء حتى كأنّ النظر انتهى عند المجرور ب ( إلى ) انتهاء تمكن واستقرار كما قال تعالى : فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ [ الأحزاب : 19 ] وقوله : إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [ القيامة : 23 ] . ولزيادة التنبيه على إنكار هذا الإهمال قيّد فعل يَنْظُرُونَ بالكيفيات المعدودة في قوله : كَيْفَ خُلِقَتْ ، كَيْفَ رُفِعَتْ ، كَيْفَ نُصِبَتْ ، كَيْفَ سُطِحَتْ أي لم ينظروا إلى دقائق هيئات خلقها . وجملة : كَيْفَ خُلِقَتْ بدل اشتمال من الإبل والعامل فيه هو العامل في المبدل منه وهو فعل يَنْظُرُونَ لا حرف الجر ، فإن حرف الجر آلة لتعدية الفعل إلى مفعوله فالفعل إن احتاج إلى حرف الجر في التعدية إلى المفعول لا يحتاج إليه في العمل في البدل ، وشتان بين ما يقتضيه إعمال المتبوع وما يقتضيه إعمال التابع فكلّ على ما يقتضيه معناه وموقعه ، فكيف منصوب على الحال بالفعل الذي يليه . والمعنى والتقدير : أفلا ينظرون إلى الإبل هيئة خلقها . وقد عدّت أشياء أربعة هي من النّاظرين عن كثب لا تغيب عن أنظارهم ، وعطف بعضها على بعض ، فكان اشتراكها في مرآهم جهة جامعة بينها بالنسبة إليهم ، فإنهم المقصودون بهذا الإنكار والتوبيخ ، فالذي حسّن اقتران الإبل مع السماء والجبال والأرض في الذكر هنا ، هو أنها تنتظم في نظر جمهور العرب من أهل تهامة والحجاز ونجد وأمثالها من بلاد أهل الوبر والانتجاع . فالإبل أموالهم ورواحلهم ، ومنها عيشهم ولباسهم ونسج بيوتهم وهي حمّالة أثقالهم ، وقد خلقها اللّه خلقا عجيبا بقوة قوائمها ويسر بروكها لتيسير حمل الأمتعة عليها ، وجعل أعناقها طويلة قوية ليمكنها النهوض بما عليها من الأثقال بعد تحميلها أو بعد استراحتها في المنازل والمبارك ، وجعل في بطونها أمعاء تختزن الطعام والماء بحيث تصبر على العطش إلى عشرة أيام في السير في المفاوز مما يهلك فيما دونه غيرها من الحيوان . وكم قد جرى ذكر الرواحل وصفاتها وحمدها في شعر العرب ولا تكاد تخلو قصيدة من طوالهم عن وصف الرواحل ومزاياها . وناهيك بما في المعلقات وما في قصيدة كعب بن زهير .