الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
271
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
و الْإِبِلِ : اسم جمع للبعران لا واحد له من لفظه ، وقد تقدم في قوله تعالى : وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما في سورة الأنعام [ 146 ] . وعن المبرد أنه فسر الإبل في هذه الآية بالأسحبة وتأوّله الزمخشري بأنه لم يرد أن الإبل من أسماء السحاب ولكنه أراد أنه من قبيل التشبيه » ، أي هو على نحو قول عنترة : جادت عليه كل بكر حرّة * فتركن كل قرارة كالدرهم ونقل بهم إلى التدبر في عظيم خلق السماء إذ هم ينظرونها نهارهم وليلهم في إقامتهم وظعنهم ، يرقبون أنواء المطر ويشيمون لمع البروق ، فقد عرف العرب بأنهم بنو ماء السماء ، قال زيادة الحارثي ( على تردد لشراح الحماسة في تأويل قوله ، بنو ماء السماء ) : ونحن بنو ماء السماء فلا نرى * لأنفسنا من دون مملكة قصر وفي كلام أبي هريرة وقد ذكر قصة هاجر فقال أبو هريرة في آخرها : « إنها لأمّكم يا بني ماء السماء » ويتعرفون من النجوم ومنازل الشمس أوقات الليل والنهار ووجهة السير . وأتبع ذكر السماء بذكر الجبال وكانت الجبال منازل لكثير منهم مثل جبلي أجإ وسلمى لطي . وينزلون سفوحها ليكونوا أقرب إلى الاعتصام بها عند الخوف ويتخذون فيها مراقب للحراسة . والنصب : الرفع أي كيف رفعت وهي مع ارتفاعها ثابتة راسخة لا تميل . وثم نزل بأنظارهم إلى الأرض وهي تحت أقدامهم وهي مرعاهم ومفترشهم ، وقد سطحها اللّه ، أي خلقها ممهدة للمشي والجلوس والاضطجاع . ومعنى سُطِحَتْ : سويت يقال : سطح الشيء إذا سوّاه ومنه سطح الدار . والمراد بالأرض أرض كل قوم لا مجموع الكرة الأرضية . وبنيت الأفعال الأربعة إلى المجهول للعلم بفاعل ذلك . [ 21 - 24 ] [ سورة الغاشية ( 88 ) : الآيات 21 إلى 24 ] فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ ( 21 ) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ( 22 ) إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ( 23 ) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ ( 24 ) الفاء فصيحة تفريع على محصّل ما سبق من أول السورة الذي هو التذكير بالغاشية وما اتصل به من ذكر إعراضهم وإنذارهم ، رتب على ذلك أمر اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلم بالدوام على