الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

254

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فمعنى لا يَمُوتُ : لا يزول عنه الإحساس ، فإن الموت فقدان الإحساس مع ما في هذه الحالة من الأعجوبة وهي مما يؤكد اعتبار تراخي الرتبة في هذا التنكيل . وتعقيبه بقوله : وَلا يَحْيى احتراس لدفع توهم أن يراد بنفي الموت عنهم أنهم استراحوا من العذاب لما هو متعارف من أن الاحتراق يهلك المحرق ، فإذا قيل : لا يَمُوتُ توهّم المنذرون أن ذلك الاحتراق لا يبلغ مبلغ الإهلاك فيبقى المحرق حيا فيظن أنه إحراق هيّن فيكون مسلاة للمهددين فلدفع ذلك عطف عليه وَلا يَحْيى ، أي حياة خالصة من الآلام والقرينة على الوصف المذكور مقابلة ولا يحيى بقوله : يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى * ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وليس هذا من قبيل نفي وصفين لإثبات حالة وسط بين حالتيهما مثل : لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ [ النور : 35 ] وقول إحدى نساء أم زرع : « لا حرّ ولا قرّ » لأن ذلك لا طائل تحته . ويجوز أن نجعل نفي الحياة كناية عن نفي الخلاص بناء على أن لازم الإحراق الهلاك ولازم الحياة عدم الهلاك . وفي الآية محسّن الطباق لأجل التضاد الظاهر بين لا يَمُوتُ و لا يَحْيى 13 [ 14 ، 15 ] [ سورة الأعلى ( 87 ) : الآيات 14 إلى 15 ] قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ( 14 ) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ( 15 ) استئناف بياني لأن ذكر مَنْ يَخْشى [ الأعلى : 10 ] وذكر الْأَشْقَى [ الأعلى : 11 ] يثير استشراف السامع لمعرفة أثر ذلك فابتدئ بوصف أثر الشقاوة فوصف الْأَشْقَى بأنه يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى [ الأعلى : 12 ] وأخر ذكر ثواب الأتقى تقديما للأهمّ في الغرض وهو بيان جزاء الأشقى الذي يتجنب الذكرى وبقي السامع ينتظر أن يعلم جزاء من يخشى ويتذكر . فلما وفي حق الموعظة والترهيبة استؤنف الكلام لبيان المثوبة والترغيب . فالمراد ب مَنْ تَزَكَّى هنا عين المراد ب « من يخشى ويذكر » فقد عرف هنا بأنه الذي ذكر اسم ربه ، فلا جرم أن ذكر اسم ربه هو التذكر بالذكرى ، فالتذكر هو غاية الذكرى المأمور بها الرسول صلى اللّه عليه وسلم في قوله تعالى : فَذَكِّرْ [ الأعلى : 9 ] . وقد جمعت أنواع الخير في قوله : قَدْ أَفْلَحَ فإن الفلاح نجاح المرء فيما يطمح إليه فهو يجمع معنيي الفوز والنفع وذلك هو الظفر بالمبتغى من الخير ، وتقدم في قوله تعالى : وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ في البقرة [ 5 ] .