الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
255
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والإتيان بفعل المضي في قوله أَفْلَحَ للتنبيه على المحقق وقوعه من الآخرة ، واقترانه بحرف قَدْ لتحقيقه وتثنيته كما في قوله تعالى : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [ المؤمنون : 1 ] وقوله : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [ الشمس : 9 ] لأن الكلام موجه إلى الأشقين الذين تجنبوا الذكرى إثارة لهمتهم في الالتحاق بالذين خشوا فأفلحوا . ومعنى تَزَكَّى : عالج أن يكون زكيا ، أي بذل استطاعته في تطهير نفسه وتزكيتها كما قال تعالى : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها [ الشمس : 9 - 10 ] . فمادة التفعل للتكلف وبذل الجهد ، وأصل ذلك هو التوحيد والاستعداد للأعمال الصالحة التي جاء بها الإسلام ويجيء بها ، فيشمل زكاة الأموال . أخرج البزار عن جابر بن عبد اللّه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى قال : من شهد أن لا إله إلا اللّه ، وخلع الأنداد ، وشهد أني رسول اللّه ، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى قال : هي الصلوات الخمس والمحافظة عليها والاهتمام بها ، وهو قول ابن عباس وعطاء وعكرمة وقتادة . وقدم التزكّي على ذكر اللّه والصلاة لأنه أصل العمل بذلك كله فإنه إذا تطهرت النفس أشرقت فيها أنوار الهداية فعلمت منافعها وأكثرت من الإقبال عليها فالتزكية : الارتياض على قبول الخير والمراد تزكّى بالإيمان . وفعل ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ يجوز أن يكون من الذّكر اللساني الذي هو بكسر الذال فيكون كلمة اسْمَ رَبِّهِ مرادا بها ذكر أسماء اللّه بالتعظم مثل قول لا إلا اللّه ، وقول اللّه أكبر ، وسبحان اللّه ، ونحو ذلك على ما تقدم في قوله : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [ الأعلى : 1 ] . ويجوز أن يكون من الذّكر بضم الذال وهو حضور الشيء في النفس الذاكرة والمفكرة فتكون كلمة اسْمَ مقحمة لتدل على شأن اللّه وصفات عظمته فإن أسماء اللّه أوصاف كمال . وتفريع فَصَلَّى على ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ على كلا الوجهين لأن الذكر بمعنييه يبعث الذاكر على تعظيم اللّه تعالى والتقرب إليه بالصلاة التي هي خضوع وثناء . وقد رتبت هذه الخصال الثلاث على الآية على ترتيب تولدها . فأصلها : إزالة الخباثة النفسية من عقائد باطلة وحديث النفس بالمضمرات الفاسدة وهو المشار إليه بقوله : تَزَكَّى ، ثم استحضار معرفة اللّه بصفات كماله وحكمته ليخافه ويرجوه وهو المشار