الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

222

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

في الدنيا قال تعالى : يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ [ الدخان : 16 ] ووجه الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم لأن بطش اللّه بالذين فتنوا المؤمنين فيه نصر للنبي صلى اللّه عليه وسلم وتثبيت له . [ 13 ] [ سورة البروج ( 85 ) : آية 13 ] إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ( 13 ) تصلح لأن تكون استئنافا ابتدائيا انتقل به من وعيدهم بعذاب الآخرة إلى توعدهم بعذاب في الدنيا يكون من بطش اللّه ، أردف به وعيد عذاب الآخرة لأنه أوقع في قلوب المشركين إذ هم يحسبون أنهم في أمن من العقاب إذ هم لا يصدقون بالبعث فحسبوا أنهم فازوا بطيب الحياة الدنيا . والمعنى : أن اللّه يبطش بهم في البدء والعود ، أي في الدنيا والآخرة . وتصلح لأن تكون تعليلا لجملة : إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [ البروج : 12 ] لأن الذي يبدئ ويعيد قادر على إيقاع البطش الشديد في الدنيا وهو الإبداء ، وفي الآخرة وهو إعادة البطش . وتصلح لأن تكون إدماجا للاستدلال على إمكان البعث أي أن اللّه يبدئ الخلق ثم يعيده فيكون كقوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [ الروم : 27 ] . والبطش : الأخذ بعنف وشدة ويستعار للعقاب المؤلم الشديد كما هنا . و يُبْدِئُ : مرادف يبدأ ، يقال : بدأ وأبدأ . فليست همزة أبدأ للتعدية . وحذف مفعولا الفعلين لقصد عموم تعلق الفعلين بكل ما يقع ابتداء ، ويعاد بعد ذلك فشمل بدأ الخلق وإعادته وهو البعث ، وشمل البطش الأول في الدنيا والبطش في الآخرة ، وشمل إيجاد الأجيال وأخلافها بعد هلاك أوائلها . وفي هذه الاعتبارات من التهديد للمشركين محامل كثيرة . وضمير الفصل في قوله : هُوَ يُبْدِئُ للتقوّي ، أي لتحقيق الخبر ولا موقع للقصر هنا . إذ ليس في المقام ردّ على من يدّعي أن غير اللّه يبدئ ويعيد . وقد تقدم عند قوله تعالى : أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ في سورة البقرة [ 5 ] أن ضمير الفصل يليه الفعل المضارع على قول المازني ، وهو التحقيق . ودليله قوله : وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ وقد تقدم في سورة فاطر [ 10 ] .