الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

223

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ 14 - 16 ] [ سورة البروج ( 85 ) : الآيات 14 إلى 16 ] وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ( 14 ) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ( 15 ) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ( 16 ) جملة معطوفة على جملة : إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [ البروج : 12 ] ومضمونها قسيم لمضمون إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ لأنه لما أفيد تعليل مضمون جملة : إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ [ البروج : 10 ] إلى آخره ، ناسب أن يقابل بتعليل مضمون جملة إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ [ البروج : 11 ] إلى آخره ، فعلّل بقوله : وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ، فهو يغفر للذين تابوا وآمنوا وعملوا الصالحات ما فرط منهم وهو يحب التّوابين ويودّهم . و الْوَدُودُ : فعول بمعنى فاعل مشتق من الودّ وهو المحبة فمعنى الودود : المحبّ وهو من أسمائه تعالى ، أي إنه يحب مخلوقاته ما لم يحيدوا عن وصايته . والمحبة التي يوصف اللّه بها مستعملة في لازم المحبة في اللغة تقريبا للمعنى المتعالي عن الكيف وهو من معنى الرحمة ، وقد تقدم عند قوله تعالى : إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ في آخر سورة هود [ 90 ] . ولما ذكر اللّه من صفاته ما تعلّقه بمخلوقاته بحسب ما يستأهلونه من جزاء أعقب ذلك بصفاته الذاتية على وجه الاستطراد والتكملة بقوله : ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ تنبيها للعباد إلى وجوب عبادته لاستحقاقه العبادة لجلاله كما يعبدونه لاتقاء عقابه ورجاء نواله . و الْعَرْشِ : اسم لعالم يحيط بجميع السماوات ، سمي عرشا لأنه دال على عظمة اللّه تعالى كما يدل العرش على أن صاحبه من الملوك . و الْمَجِيدُ : العظيم القويّ في نوعه ، ومن أمثالهم : « في كل شجر نار ، واستمجد المرخ والعفار » وهما شجران يكثر قدح النار من زندهما . وقرأه الجمهور بالرفع على أنه خبر رابع عن ضمير الجلالة . وقرأه حمزة والكسائي وخلف بالجر نعتا للعرش فوصف العرش بالمجد كناية عن مجد صاحب العرش . ثم ذيل ذلك بصفة جامعة لعظمته الذاتية وعظمة نعمه بقوله : فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ أي إذا تعلقت إرادته بفعل ، فعله على أكمل ما تعلقت به إرادته لا ينقصه شيء ولا يبطئ به ما أراد تعجيله . فصيغة المبالغة في قوله : فَعَّالٌ للدلالة على الكثرة في الكمية والكيفية .