الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
221
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ويجوز أن يراد بالثاني مضاعفة العذاب لهم كقوله تعالى : الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ [ النحل : 88 ] . ويجوز أن يراد بعذاب الحريق حريق بغير جهنم وهو ما يضرم عليهم من نار تعذيب قبل يوم الحساب كما جاء في الحديث : « القبر حفرة من حفر جهنم أو روضة من رياض الجنة » رواه البيهقي في « سننه » عن ابن عمر . [ 11 ] [ سورة البروج ( 85 ) : آية 11 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ( 11 ) يجوز أن يكون استئنافا بيانيا ناشئا عن قوله : ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا المقتضي أنهم إن تابوا لم يكن لهم عذاب جهنم فيتشوف السامع إلى معرفة حالهم أمقصورة على السلامة من عذاب جهنم أو هي فوق ذلك ، فأخبر بأن لهم جنات فإن التوبة الإيمان ، فلذلك جيء بصلة آمَنُوا دون : تابوا : ليدل على أن الإيمان والعمل الصالح هو التوبة من الشرك الباعث على فتن المؤمنين ، وهذا الاستئناف وقع معترضا . ويجوز أن يكون اعتراضا بين جملة إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ [ البروج : 10 ] وجملة : إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [ البروج : 12 ] اعتراضا بالبشارة في خلال الإنذار لترغيب المنذرين في الإيمان ، ولتثبيت المؤمنين على ما يلاقونه من أذى المشركين على عادة القرآن في إرداف الإرهاب بالترغيب . والتأكيد ب إِنَّ للاهتمام بالخبر . والإشارة في ذلِكَ إلى المذكور من اختصاصهم بالجنات والأنهار . و الْكَبِيرُ : مستعار للشديد في بابه ، والفوز : مصدر . [ 12 ] [ سورة البروج ( 85 ) : آية 12 ] إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ( 12 ) جملة : إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ علة لمضمون قوله : إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ إلى قوله : وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ [ البروج : 10 ] ، أي لأن بطش اللّه شديد على الذين فتنوا الذين آمنوا به . فموقع إِنَّ في التعليل يغني عن فاء التسبب . وبطش اللّه يشمل تعذيبه إياهم في جهنم ويشمل ما قبله مما يقع في الآخرة وما يقع