الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
215
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أصحاب الأخدود لا يحتاج إلى التوكيد بالقسم إذ لا ينكره أحد فهو قصة معلومة للعرب . وانتساق ضمائر جمع الغائب المرفوعة من قوله : إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ إلى قوله : وَما نَقَمُوا يقتضي أن يكون أصحاب الأخدود واضعيه لتعذيب المؤمنين . وقيل : الجواب هو جملة : إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [ البروج : 10 ] فيكون الكلام الذي بينهما اعتراضا وتوطئة على نحو ما قررناه في كلام الزجاج . وقوله : قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ صيغته تشعر بأنه إنشاء شتم لهم شتم خزي وغضب وهؤلاء لم يقتلوا ففعل قتل ليس بخبر بل شتم نحو قوله تعالى : قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ [ الذاريات : 10 ] . وقولهم قاتله اللّه ، وصدوره من اللّه يفيد معنى اللعن ويدل على الوعيد لأن الغضب واللعن يستلزمان العقاب على الفعل الملعون لأجله . وقيل : هو دعاء على أصحاب الأخدود بالقتل كقوله تعالى : قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ [ عبس : 17 ] والقتل مستعار لأشد العذاب كما يقال : أهلكه اللّه ، أي أوقعه في أشد العناء ، وأيّا ما كان فجملة قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ على هذا معترضة بين القسم وما بعده . ومن جعل قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ جواب القسم جعل الكلام خبرا وقدّره لقد قتل أصحاب الأخدود ، فيكون المراد من أصحاب الأخدود الذين ألقوا فيه وعذبوا به ويكون لفظ أصحاب مستعملا في معنى مجرد المقارنة والملازمة كقوله تعالى : يا صاحِبَيِ السِّجْنِ [ يوسف : 39 ] وقد علمت آنفا تعيّن تأويل هذا القول بأن الخبر مستعمل في لازم معناه . ولفظ أَصْحابُ يعمّ الآمرين بجعل الأخدود والمباشرين لحفره وتسعيره ، والقائمين على إلقاء المؤمنين فيه . وهذه قصة اختلف الرواة في تعيينها وفي تعيين المراد منها في هذه الآية . والروايات كلها تقتضي أن المفتونين بالأخدود قوم اتبعوا النصرانية في بلاد اليمن على أكثر الروايات ، أو في بلاد الحبشة على بعض الروايات ، وذكرت فيها روايات متقاربة تختلف بالإجمال والتفصيل ، والترتيب ، والزيادة ، والتعيين وأصحّها ما رواه مسلم والترمذي عن صهيب أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قصّ هذه القصة على أصحابه . وليس فيما روي