الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
216
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تصريح بأن النبي صلى اللّه عليه وسلم ساقها تفسيرا لهذه الآية والترمذي ساق حديثها في تفسير سورة البروج . وعن مقاتل كان الذين اتخذوا الأخاديد في ثلاث من البلاد بنجران ، وبالشام ، وبفارس ، أما الذي بالشام ف ( انطانيوس ) الرومي وأما الذي بفارس فهو ( بختنصر ) والذي بنجران فيوسف ذو نواس ولنذكر القصة التي أشار إليها القرآن تؤخذ من « سيرة ابن إسحاق » على أنها جرت في نجران من بلاد اليمن ، وأنه كان ملك وهو ذو نواس له كاهن أو ساحر . وكان للساحر تلميذ اسمه عبد اللّه بن الثامر وكان يجد في طريقه إذا مشى إلى الكاهن صومعة فيها راهب كان يعبد اللّه على دين عيسى عليه السّلام ويقرأ الإنجيل اسمه ( فيميون ) بفاء ، فتحتية ، فميم ، فتحتية ( وضبط في الطبعة الأوروبية من « سيرة ابن إسحاق » - التي يلوح أن أصلها المطبوعة عليه أصل صحيح ، بفتح فسكون فكسر فضم ) قال السهيلي : ووقع للطبري بقاف عوض الفاء . وقد يحرف فيقال ميمون بميم في أوله وبتحتية واحدة ، أصله من غسان من الشام ثم ساح فاستقر بنجران ، وكان منعزلا عن الناس مختفيا في صومعته وظهرت لعبد اللّه في قومه كرامات . وكان كلما ظهرت له كرامة دعا من ظهرت لهم إلى أن يتبعوا النصرانية ، فكثر المتنصرون في نجران وبلغ ذلك الملك ذا نواس وكان يهوديا وكان أهل نجران مشركين يعبدون نخلة طويلة ، فقتل الملك الغلام وقتل الراهب وأمر بأخاديد وجمع فيها حطب وأشعلت ، وعرض أهل نجران عليها فمن رجع عن التوحيد تركه ومن ثبت على الدين الحق قذفه في النار . فكان أصحاب الأخدود ممن عذّب من أهل دين المسيحية في بلاد العرب . وقصص الأخاديد كثيرة في التاريخ ، والتعذيب بالحرق طريقة قديمة ، ومنها : نار إبراهيم عليه السلام . وأما تحريق عمرو بن هند مائة من بني تميم وتلقيبه بالمحرق فلا أعرف أن ذلك كان باتخاذ أخدود . وقال ابن عطية : رأيت في بعض الكتب أن أصحاب الأخدود هو محرق وآله الذي حرق من بني تميم مائة . و الْأُخْدُودِ : بوزن أفعول وهو صيغة قليلة الدوران غير مقيسة ، ومنها قولهم : أفحوص مشتق من فحصت القطاة والدجاجة إذا بحثت في التراب موضعا تبيض فيه ، وقولهم أسلوب اسم لطريقة ، ولسطر النّخل ، وأقنوم اسم لأصل الشيء . وقد يكون هذا الوزن مع هاء تأنيث مثل أكرومة ، وأعجوبة ، وأطروحة وأضحوكة . وقوله : النَّارِ بدل من الأخدود بدل اشتمال أو بعض من كل لأن المراد