الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

187

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وهم أبو جهل ، والوليد بن المغيرة ، وعقبة بن أبي معيط ، والعاص بن وائل ، والأسود بن عبد يغوث ، والعاص بن هشام ، والنضر بن الحارث ، كانوا يضحكون من عمار بن ياسر ، وخباب بن الأرتّ ، وبلال ، وصهيب ، ويستهزءون بهم . وعبر بالموصول وهذه الصلة : الَّذِينَ أَجْرَمُوا للتنبيه على أن ما أخبر به عنهم هو إجرام ، وليظهر موقع قوله : هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ [ المطففين : 36 ] . والإجرام : ارتكاب الجرم وهو الإثم العظيم ، وأعظم بالإجرام الكفر ويؤذن تركيب « كانوا يضحكون » بأن ذلك صفة ملازمة لهم في الماضي ، وصوغ يَضْحَكُونَ بصيغة المضارع للدلالة على تكرر ذلك منهم وأنه ديدن لهم . وتعدية فعل يَضْحَكُونَ إلى الباعث على الضحك بحرف مِنَ هو الغالب في تعدية أفعال هذه المادة على أن ( من ) ابتدائية تشبّه الحالة التي تبعث على الضحك بمكان يصدر عنه الضحك ، ومثله أفعال : سخر منه ، وعجب منه . ومعنى يضحكون منهم : يضحكون من حالهم فكان المشركون لبطرهم يهزءون بالمؤمنين ومعظمهم ضعاف أهل مكة فيضحكون منهم ، والظاهر أن هذا يحصل في نواديهم حين يتحدثون بحالهم بخلاف قوله : وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ واعلم أنه إذا كان سبب الضحك حالة خاصة من أحوال كان المجرور اسم تلك الحالة نحو : فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها [ النمل : 19 ] وإذا كان مجموع هيئة الشيء كان المجرور اسم الذات صاحبة الأحوال لأن اسم الذات أجمع للمعروف من أحوالها نحو : وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ [ المؤمنون : 110 ] . وقول عبد يغوث الحارث : وتضحك منّي شيخة عبشميّة * كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا والتغامز : تفاعل من الغمز ويطلق على جسّ الشيء باليد جسّا مكينا ، ومنه غمز القناة لتقويمها وإزالة كعوبها . وفي حديث عائشة : « لقد رأيتني ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يصلي وأنا مضطجعة بينه وبين القبلة فإذا أراد أن يسجد غمز رجليّ فقبضتهما » . ويطلق الغمز على تحريك الطّرف لقصد تنبيه الناظر لما عسى أن يفوته النظر إليه من أحوال في المقام وكلا الإطلاقين يصح حمل المعنى في الآية عليه . وضمير مَرُّوا يجوز أن يعود إلى الَّذِينَ أَجْرَمُوا فيكون ضمير بِهِمْ عائدا إلى