الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
188
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الَّذِينَ آمَنُوا ، ويجوز العكس ، وأما ضمير يَتَغامَزُونَ فمتمحّض للعود إلى الَّذِينَ أَجْرَمُوا والمعنى : وإذا مرّ المؤمنون بالذين أجرموا وهم في مجالسهم يتغامز المجرمون حين مرور المؤمنين أو وإذا مرّ الذين أجرموا بالذين آمنوا وهم في عملهم وفي عسر حالهم يتغامز المجرمون حين مرورهم ، وإنما يتغامزون من دون إعلان السخرية بهم اتقاء لتطاول المؤمنين عليهم بالسب لأن المؤمنين قد كانوا كثيرا بمكة حين نزول هذه السورة ، فكان هذا دأب المشركين في معاملتهم وهو الذي يقرّعون به يوم القيامة . والانقلاب : الرجوع إلى الموضع الذي جيء منه . يقال : انقلب المسافر إلى أهله وفي دعاء السفر : « أعوذ بك من كآبة المنقلب » . وأصله مستعار من قلب الثوب ، إذا صرفه من وجه إلى وجه آخر ، يقال : قلب الشيء ، إذا أرجعه . وأهل الرجل : زوجه وأبناؤه ، وذكر الأهل هنا لأنهم ينبسط إليهم بالحديث فلذلك قيل : إِلى أَهْلِهِمُ دون : إلى بيوتهم . والمعنى : وإذا رجع الذين أجرموا إلى بيوتهم وخلصوا مع أهلهم تحدثوا أحاديث الفكاهة معهم بذكر المؤمنين وذمهم . وتكرير فعل : انْقَلَبُوا بقوله : انْقَلَبُوا فَكِهِينَ من النسج الجزل في الكلام كان يكفي أن يقول : وإذا انقلبوا إلى أهلهم فكهوا ، أو إذا انقلبوا إلى أهلهم كانوا فاكهين . وذلك لما في إعادة الفعل من زيادة تقرير معناه في ذهن السامع لأنه مما ينبغي الاعتناء به ، ولزيادة تقرير ما في الفعل من إفادة التجدد حتى يكون فيه استحضار الحالة . قال ابن جنّي في كتاب « التنبيه على إعراب الحماسة » عند قول الأحوص : فإذا تزول عن متخمّط * تخشى بوادره على الأقران محال أن تقول إذا قمت قمت وإذا أقعد أقعد لأنه ليس في الثاني غير ما في الأول ، أي فلا يستقيم جعل الثاني جوابا للأول . وإنما جاز أن يقول فإذا تزول تزول لما اتصل بالفعل الثاني من حرف الجر المفادة منه الفائدة مثله قول اللّه تعالى : هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا [ القصص : 63 ] ولو قال : هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم لم يفد القول شيئا لأنه كقولك الذي ضربته ضربته والتي أكرمتها أكرمتها ولكن لما اتصل