الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
186
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
حكاية قول ينادي به يوم القيامة من حضرة القدس على رؤوس الأشهاد . فإذا جريت على ثاني الوجهين المتقدمين في موقع جمل كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [ المطففين : 18 ] الآيات ، من أنها محكية بالقول الواقع في قوله تعالى : ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [ المطففين : 17 ] إلى هنا فهذه متصلة بها . والتعبير عنهم بالذين أجرموا إظهار في مقام الإضمار على طريقة الالتفات إذ مقتضى الظاهر أن يقال لهم : إنكم كنتم من الذين آمنوا تضحكون ، وهكذا على طريق الخطاب وإن جريت على الوجه الأول بجعل تلك الجمل اعتراضا ، فهذه الجملة مبدأ كلام متصل بقوله : ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ [ المطففين : 16 ] واقع موقع بدل الاشتمال لمضمون جملة : إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ [ المطففين : 16 ] باعتبار ما جاء في آخر هذا من قوله : فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ فالتعبير بالذين أجرموا إذن جار على مقتضى الظاهر وليس بالتفات . وقد اتّضح بما قرّرناه تناسب نظم هذه الآيات من قوله : كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [ المطففين : 18 ] إلى هنا مزيد اتضاح ، وذلك مما أغفل المفسرون العناية بتوضيحه ، سوى أن ابن عطية أورد كلمة مجملة فقال : « ولما كانت الآيات المتقدمة قد نيطت بيوم القيامة وأن الويل يومئذ للمكذبين ساغ أن يقول : فَالْيَوْمَ على حكاية ما يقال ا ه . و إِذا في المواضع الثلاثة مستعمل للزمان الماضي كقوله تعالى : وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً [ التوبة : 92 ] وقوله : وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ [ النساء : 83 ] . والمقصود من ذكره أنه بعد أن ذكر حال المشركين على حدة ، وذكر حال المسلمين على حدة ، أعقب بما فيه صفة لعاقبة المشركين في معاملتهم للمؤمنين في الدنيا ليعلموا جزاء الفريقين معا . وإصدار ذلك المقال يوم القيامة مستعمل في التنديم والتشميت كما اقتضته خلاصته من قوله : فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ إلى آخر السورة . والافتتاح ب إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا بصورة الكلام المؤكد لإفادة الاهتمام بالكلام وذلك كثير في افتتاح الكلام المراد إعلانه ليتوجه بذلك الافتتاح جميع السامعين إلى استماعه للإشعار بأنه خبر مهم . والمراد ب الَّذِينَ أَجْرَمُوا المشركون من أهل مكة وخاصة صناديدهم .