الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

185

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ابن عباس لمّا سئل عنه : « هذا مما قال اللّه تعالى : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [ السجدة : 17 ] ، يريد لا يعلمون الأشياء ولا أسماءها إلا ما أخبر اللّه به . ولغرابة ذلك احتيج إلى تبيينه بقوله : عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ، أي حال كون التسنيم عينا يشرب منها المقرّبون . و الْمُقَرَّبُونَ : هم الأبرار ، أي فالشاربون من هذا الماء مقربون . وباء يَشْرَبُ بِهَا إما سببية ، وعدي فعل يَشْرَبُ إلى ضمير العين بتضمين يَشْرَبُ معنى : يمزج ، لقوله : وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ أي يمزجون الرحيق بالتسنيم . وإمّا باء الملابسة وفعل يَشْرَبُ معدّى إلى مفعول محذوف وهو الرحيق ، أي يشربون الرحيق ملابسين للعين ، أي محيطين بها وجالسين حولها . أو الباء بمعنى ( من ) التبعيضية وقد عده الأصمعي والفارسي وابن قتيبة وابن مالك في معاني الباء ، وينسب إلى الكوفيين . واستشهدوا له بهذه الآية وليس ذلك ببيّن فإنّ الاستعمال العربي يكثر فيه تعدية فعل الشرب بالباء دون ( من ) ، ولعلهم أرادوا به معنى الملابسة ، أو كانت الباء زائدة كقول أبي ذؤيب يصف السحاب : شربن بماء البحر ثم ترفّعت * متى لجج خضر لهن نئيج [ 29 - 35 ] [ سورة المطففين ( 83 ) : الآيات 29 إلى 35 ] إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ( 29 ) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ ( 30 ) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ( 31 ) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ ( 32 ) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ ( 33 ) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ( 34 ) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ ( 35 ) هذه من جملة القول الذي يقال يوم القيامة للفجار المحكيّ بقوله تعالى : ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [ المطففين : 17 ] لأنه مرتبط بقوله في آخره : فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ إذ يتعين أن يكون قوله : فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ حكاية كلام يصدر في يوم القيامة ، إذ تعريف « اليوم » باللام ونصبه على الظرفية يقتضيان أنه يوم حاضر موقّت به الفعل المتعلق هو به ، ومعلوم أن اليوم الذي يضحك فيه المؤمنون من الكفار وهم على الأرائك هو يوم حاضر حين نزول هذه الآيات وسيأتي مزيد إيضاح لهذا ولأن قوله : كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ظاهر في أنه حكاية كون مضى ، وكذلك معطوفاته من قوله : « وإذا مرّوا ، وإذا انقلبوا ، وإذا رأوهم » فدل السياق على أن هذا الكلام