الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
161
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أحد من المخالطين لوظيفه أن يموّه عليه شيئا ، أو أن يلبس عليه حقيقة بحيث ينتفي عنه الغلط والخطأ في تمييز الأمور بأقصى ما يمكن ، ويختلف العلم المطلوب باختلاف الأعمال فيقدم في كل ولاية من هو أعلم بما تقتضيه ولايته من الأعمال وما تتوقف عليه من المواهب والدراية ، فليس ما يشترط في القاضي يشترط في أمير الجيش مثلا ، وبمقدار التفاوت في الخصال التي تقتضيها إحدى الولايات يكون ترجيح من تسند إليه الولاية على غيره حرصا على حفظ مصالح الأمة ، فيقدم في كل ولاية من هو أقوى كفاءة لإتقان أعمالها وأشدّ اضطلاعا بممارستها . [ 13 - 16 ] [ سورة الانفطار ( 82 ) : الآيات 13 إلى 16 ] إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ ( 13 ) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ( 14 ) يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ ( 15 ) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ ( 16 ) فصلت هذه الجملة عن التي قبلها لأنها استئناف بياني جواب عن سؤال يخطر في نفس السامع يثيره قوله : بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ [ الانفطار : 9 ، 10 ] الآية لتشوف النفس إلى معرفة هذا الجزاء ما هو ، وإلى معرفة غاية إقامة الملائكة لإحصاء الأعمال ما هي ، فبين ذلك بقوله : إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ الآية . وأيضا تتضمن هذه الجملة تقسيم أصحاب الأعمال فهي تفصيل لجملة يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ [ الانفطار : 12 ] وذلك من مقتضيات فصل الجملة عن التي قبلها . وجيء بالكلام مؤكدا ب إِنَّ ولا الابتداء ليساوي البيان مبيّنه في التحقيق ودفع الإنكار . وكرر التأكيد مع الجملة المعطوفة للاهتمام بتحقيق كونهم في جحيم لا يطمعوا في مفارقته . و الْأَبْرارَ : جمع برّ بفتح الباء وهو التقيّ ، وهو فعل بمعنى فاعل مشتق من برّ يبر ، ولفعل برّ اسم مصدر هو برّ بكسر الباء ولا يعرف له مصدر قياسيّ بفتح الباء كأنهم أماتوه لئلا يلتبس بالبرّ وهو التقيّ . وإنما سمي التقيّ برّا لأنه برّ ربه ، أي صدقه ووفى له بما عهد له من الأمر بالتقوى . و الْفُجَّارَ : جمع فاجر ، وصيغة فعّال تطّرد في تكسير فاعل المذكر الصحيح اللام .