الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
137
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تنفس الصبح من مظاهر بديع النظام الذي جعله اللّه في هذا العالم . والتنفس : حقيقته خروج النفس من الحيوان ، استعير لظهور الضياء مع بقايا الظلام على تشبيه خروج الضياء بخروج النفس على طريقة الاستعارة المصرحة ، أو لأنه إذا بدا الصباح أقبل معه نسيم فجعل ذلك كالتنفس له على طريقة المكنية بتشبيه الصبح بذي نفس مع تشبيه النسيم بالأنفاس . وضمير إِنَّهُ عائد إلى القرآن ولم يسبق له ذكر ولكنه معلوم من المقام في سياق الإخبار بوقوع البعث فإنه مما أخبرهم به القرآن وكذبوا بالقرآن لأجل ذلك . والرسول الكريم يجوز أن يراد به جبريل عليه السلام ، وصف جبريل برسول لأنه مرسل من اللّه إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم بالقرآن . وإضافة « قول » إلى رَسُولٍ إما لأدنى ملابسة لأن جبريل يبلغ ألفاظ القرآن إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فيحكيها كما أمره اللّه تعالى فهو قائلها ، أي صادرة منه ألفاظها . وفي التعبير عن جبريل بوصف رَسُولٍ إيماء إلى أن القول الذي يبلغه هو رسالة من اللّه مأمور بإبلاغها كما هي . قال ابن عطية : وقال آخرون الرسول هو محمد صلى اللّه عليه وسلم في الآية كلها ا ه . ولم يعين اسم أحد ممن قالوا هذا من المفسرين . واستطرد في خلال الثناء على القرآن الثناء على الملك المرسل به تنويها بالقرآن فإجراء أوصاف الثناء على رَسُولٍ للتنويه به أيضا ، وللكناية على أن ما نزل به صدق لأن كمال القائل يدل على صدق القول . ووصف رَسُولٍ بخمسة أوصاف : الأول : كَرِيمٍ وهو النفيس في نوعه . والوصفان الثاني والثالث : ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ فالقوة حقيقتها مقدرة الذات على الأعمال العظيمة التي لا يقدر عليها غالبا . ومن أوصافه تعالى : « القوي » ، ومنها مقدرة الذات من إنسان أو حيوان على كثير من الأعمال التي لا يقدر عليها أبناء نوعه . وضدها الضعف قال تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ