الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
138
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً [ الروم : 54 ] . وتطلق القوة مجازا على ثبات النفس على مرادها والإقدام ورباطة الجأش ، قال تعالى : يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ [ مريم : 12 ] وقال : خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ [ البقرة : 63 ] ، فوصف جبريل ب ذِي قُوَّةٍ يجوز أن يكون شدة المقدرة كما وصف بذلك في قوله تعالى : ذُو مِرَّةٍ [ النجم : 6 ] ، ويجوز أن يكون في القوة المجازية وهي الثبات في أداء ما أرسل به كقوله تعالى : عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى [ النجم : 5 ] لأنّ المناسب للتعليم هو قوة النفس ، وأما إذا كان المراد محمد صلى اللّه عليه وسلم فوصفه ب ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ يراد بها المعنى المجازي وهو الكرامة والاستجابة له . والمكين : فعيل ، صفة مشبهة من مكن بضم الكاف مكانة ، إذا علت رتبته عند غيره ، قال تعالى في قصة يوسف مع الملك : فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ [ يوسف : 54 ] . وتوسيط قوله : عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ بين ذِي قُوَّةٍ و مَكِينٍ ليتنازعه كلا الوصفين على وجه الإيجاز ، أي هو ذو قوة عند اللّه ، أي جعل اللّه مقدرة جبريل تخوّله أن يقوم بعظيم ما يوكله اللّه به مما يحتاج إلى قوة القدرة وقوة التدبير ، وهو ذو مكانة عند اللّه وزلفى . ووصف النبي صلى اللّه عليه وسلم بذلك على نحو ما تقدم . والعندية عندية تعظيم ، وعناية ، ف ( عند ) للمكان المجازي الذي هو بمعنى الاختصاص والزلفى . وعدل عن اسم الجلالة إلى ذِي الْعَرْشِ بالنسبة إلى جبريل لتمثيل حال جبريل ومكانته عند اللّه بحالة الأمير الماضي في تنفيذ أمر الملك وهو بمحل الكرامة لديه . وأما بالنسبة إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فللإشارة إلى عظيم شأنه إذ كان ذا قوة عند أعظم موجود شأنا . الوصف الرابع : مُطاعٍ أن يطيعه من معه من الملائكة كما يطيع الجيش قائدهم ، أو النبي صلى اللّه عليه وسلم مطاع : أي مأمور الناس بطاعة ما يأمرهم به . و ثَمَّ بفتح الثاء اسم إشارة إلى المكان ، والمشار إليه هو المكان المجازي الذي