الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
77
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وعدّي ( طاف ) بحرف ( على ) لتضمينه معنى : تسلط أو نزل . ولم يعين جنس الطائف لظهور أنه من جنس ما يصيب الجنات من الهلاك ، ولا يتعلق غرض بتعيين نوعه لأن العبرة في الحاصل به ، فإسناد فعل ( طاف ) إلى طائِفٌ بمنزلة إسناد الفعل المبني للمجهول كأنه قيل : فطيف عليها وهم نائمون . وعن الفراء : أن الطائف لا يكون إلّا بالليل ، يعني ومنه سمي الخيال الذي يراه النائم في نومه طيفا . قيل هو مشتق من الطائفة وهي الجزء من الليل ، وفي هذا نظر . فقوله : وَهُمْ نائِمُونَ تقييد لوقت الطائف على التفسير الأول ، وهو تأكيد لمعنى طائِفٌ على تفسير الفراء ، وفائدته تصوير الحالة . وتنوين طائِفٌ للتعظيم ، أي أمر عظيم وقد بينه بقوله : فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ فهو طائف سوء ، قيل : أصابها عنق من نار فاحترقت . و مِنْ رَبِّكَ أي جائيا من قبل ربّك ، ف مِنْ للابتداء يعني : أنه عذاب أرسل إليهم عقابا لهم على عدم شكر النعمة . وعجل العقاب لهم قبل التلبس بمنع الصدقة لأن عزمهم على المنع وتقاسمهم عليه حقق أنهم مانعون صدقاتهم فكانوا مانعين . ويؤخذ من الآية موعظة للذين لا يواسون بأموالهم . وإذ كان عقاب أصحاب هذه الجنة دنيويا لم يكن في الآية ما يدل على أن أصحاب الجنة منعوا صدقة واجبة . والصريم قيل : هو الليل ، والصريم من أسماء الليل ومن أسماء النهار لأن كل واحد منهما ينصرم عن الآخر كما سمي كل من الليل والنهار ملوا فيقال : الملوان ، وعلى هذا ففي الجمع بين ( أصبحت ) و ( الصريم ) محسن الطباق . وقيل الصريم : الرماد الأسود بلغة جذيمة أو خزيمة . وقيل الصريم : اسم رملة معروفة باليمن لا تنبت شيئا . وإيثار كلمة الصريم هنا لكثرة معانيها وصلاحية جميع تلك المعاني لأن تراد في الآية . وبين ( يصرمنّها ) و ( الصريم ) الجناس .