الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
78
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وفاء فَتَنادَوْا للتفريع على أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ ، أي فلما أصبحوا تنادوا لإنجاز ما بيّتوا عليه أمرهم . والتنادي : أي ينادي بعضهم بعضا وهو مشعر بالتحريض على الغدوّ إلى جنتهم مبكرين . والغدوّ : الخروج ومغادرة المكان في غدوة النهار ، أي أوله . وليس قوله : إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ بشرط تعليق ولكنه مستعمل في الاستبطاء فكأنهم لإبطاء بعضهم في الغدوّ قد عدل عن الجذاذ ذلك اليوم . ومنه قول عبد اللّه بن عمر للحجاج عند زوال عرفة يحرضه على التهجير بالرواح إلى الموقف الرواح إن كنت تريد السنة . ونظير ذلك كثير في الكلام . و عَلى من قوله : عَلى حَرْثِكُمْ مستعملة في تمكن الوصول إليه كأنه قيل : اغدوا تكونوا على حرثكم ، أي مستقرين عليه . ويجوز أن يضمن فعل الغدوّ معنى الإقبال كما يقال : يغدى عليه بالجفنة ويراح . قال الطيبي : « ومثله قيل في حق المطلب تغدو درّته ( التي يضرب بها ) على السفهاء ، وجفنته على الحلماء » . والحرث : شق الأرض بحديدة ونحوها ليوضع فيها الزريعة أو الشجر وليزال منها العشب . ويطلق الحرث على الجنة لأنهم يتعاهدونها بالحرث لإصلاح شجرها ، وهو المارد هنا كقوله تعالى : وَحَرْثٌ حِجْرٌ في سورة الأنعام [ 138 ] ، وتقدم في قوله : وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ في سورة آل عمران [ 14 ] . والتخافت : تفاعل من خفت إذا أسرّ الكلام . و أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ تفسير لفعل يَتَخافَتُونَ و أَنْ تفسيرية لأن التخافت فيه معنى القول دون حروفه . وتأكيد فعل النهي بنون التوكيد لزيادة تحقيق ما تقاسموا عليه . وأسند إلى مِسْكِينٌ فعل النهي عن الدخول والمراد نهي بعضهم بعضا عن دخول المسكين إلى جنتهم ، أي لا يترك أحد مسكينا يدخلها . وهذا من قبيل الكناية وهو كثير في