الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
410
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
لهم كُلُوا وَاشْرَبُوا إلخ مسوقة إليهم مساق زيادة الكرامة بالثناء عليهم ، أي هذا النعيم الذي أنعمت به عليكم هو سنتنا في جزاء المحسنين فإذ قد كنتم من المحسنين فذلك جزاء لكم نلتموه بأنكم من أصحاب الحق في مثله ، ففي هذا هزّ من أعطاف المنعم عليهم . والمعنى عليه : أن هذه الجملة تقال لكل متّق منهم ، أو لكل جماعة منهم مجتمعة على نعيم الجنة ، وليعلموا أيضا أن أمثالهم في الجنات الأخرى لهم من الجزاء مثل ما هم ينعمون به . ويجوز أن تكون الجملة موجهة إلى المكذبين الموجودين بعد أن وصف لهم ما ينعم به المتقون إثر قوله إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ إلخ ، قصد منها التعريض بأنّ حرمانهم من مثل ذلك النعيم هم الذين قضوا به على أنفسهم إذ أبوا أن يكونوا من المحسنين تكملة لتنديمهم وتحسيرهم الذي بودءوا به من قوله : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ إلى آخره ، أي إنا كذلك نجزي المحسنين دون أمثالكم المسيئين . وموقع الجملة على كلا الاعتبارين موقع التعليل لما قبلها على كلا التقديرين فيما قبلها ، ومن أجل الإشعار بهذا التعليل افتتحت ب إِنَّ مع خلو المقام عن التردد في الخبر إذ الموقف يومئذ موقف الصدق والحقيقة ، فلذلك كانت إِنَّ متمحضة لإفادة الاهتمام بالخبر وحينئذ تصير مغنية غناء فاء التسبب وتفيد مفاد التعليل والربط كما تقدمت الإشارة إليه عند قوله تعالى : إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا [ البقرة : 70 ] وتفصيله عند قوله : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ في سورة آل عمران [ 96 ] . والإشارة بقوله : كَذلِكَ إلى النعيم المشاهد إن كانت الجملة التي فيها إشارة موجهة إلى الْمُتَّقِينَ ، أو الإشارة إلى النعيم الموصوف في قوله : فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ إن كانت الجملة المشتملة على اسم الإشارة موجهة إلى المكذبين . والجملة على كل تقدير تفيد معنى التذييل بما اشتملت عليه من شبه عموم كذلك ، ومن عموم المحسنين ، فاجتمع فيها التعليل والتذييل . [ 45 ] [ سورة المرسلات ( 77 ) : آية 45 ] وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 45 ) هي على الوجه الأول في جملة إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ [ المرسلات : 41 ] تكرير لنظائرها واليوم المضاف إلى ( إذ ) ذات تنوين العوض هو يوم صدور تلك المقالة .