الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
411
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وأما على الوجه الثاني في جملة إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ [ المرسلات : 41 ] إلخ فهي متصلة بتلك الجملة لمقابلة ذكر نعيم المؤمنين المطنب في وصفه بذكر ضده للمشركين بإيجاز حاصل من كلمة وَيْلٌ لتحصل مقابلة الشيء بضده ولتكون هذه الجملة تأكيدا لنظائرها ، واليوم المضاف إلى ( إذ ) يوم غير مذكور ولكنه مما يقتضيه كون المتقين في ظلال وعيون وفواكه ليعلم بأن ذلك يكون لهم في يوم القيامة . [ 46 ] [ سورة المرسلات ( 77 ) : آية 46 ] كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ ( 46 ) خطاب للمشركين الموجودين الذين خوطبوا بقوله تعالى : إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ [ المرسلات : 7 ] ، وهو استئناف ناشئ عن قوله : إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [ المرسلات : 44 ] إذ يثير في نفوس المكذبين المخاطبين بهذه القوارع ما يكثر خطوره في نفوسهم من أنهم في هذه الدنيا في نعمة محققة وأن ما يوعدون به غير واقع فقيل لهم : كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا . فالأمر في قوله : كُلُوا وَتَمَتَّعُوا مستعمل في الإمهال والإنذار ، أي ليس أكلكم وتمتعكم بلذات الدنيا بشيء لأنه تمتع قليل ثم مأواكم العذاب الأبدي قال تعالى : لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ [ آل عمران : 196 ، 197 ] . وجملة إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ خبر مستعمل في التهديد والوعيد بالسوء ، أي إن إجرامكم مهو بكم إلى العذاب ، وذلك مستفاد من مقابلة وصفهم بالإجرام بوصف الْمُتَّقِينَ [ المرسلات : 41 ] بالإحسان إذ الجزاء من جنس العمل ، فالجملة واقعة موقع التعليل . وتأكيد الخبر ب ( إنّ ) لرد إنكارهم كونهم مجرمين . [ 47 ] [ سورة المرسلات ( 77 ) : آية 47 ] وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 47 ) هو مثل نظيره المذكور ثانيا في هذه السورة . ويزيد على ذلك بأن له ارتباطا خاصا بجملة كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا [ المرسلات : 46 ] لما في تَمَتَّعُوا قَلِيلًا من الكناية عن ترقب سوء عاقبة لهم فيقع قوله : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ موقع البيان لتلك الكناية ، أي كلوا وتمتعوا قليلا الآن وويل لكم يوم القيامة .