الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
409
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ المرسلات : 29 ] إلخ . ويجوز أن يكون هذا ابتداء كلام مستأنف انتقل به إلى ذكر نعيم المؤمنين المتقين تنويها بشأنهم وتعريضا بترغيب من المشركين الموجودين في الإقلاع عنه لينالوا كرامة المتقين . و ظِلالٍ : جمع ظلّ ، وهي ظلال كثيرة لكثرة شجر الجنة وكثرة المستظلّين بظلها ، ولأن لكل واحد منهم ظلا يتمتع فيه هو ومن إليه ، وذلك أوقع في النعيم . والتعريف في الْمُتَّقِينَ للاستغراق فلكل واحد من المتقين كون في ظلال . و فِي للظرفية وهي ظرفية حقيقية بالنسبة للظلال لأن المستظل يكون مظروفا في الظل ، وظرفية مجازية بالنسبة للعيون والفواكه تشبيها لكثرة ما حولهم من العيون والفواكه بإحاطة الظروف ، وقوله : مِمَّا يَشْتَهُونَ صفة فَواكِهَ . وجمع فَواكِهَ الفواكه وغيرها ، فالتبعيض الذي دلّ عليه حرف ( من ) تبعيض من أصناف الشهوات لا من أصناف الفواكه فأفاد أن تلك الفواكه مضمومة إلى ملاذ أخرى ممّا اشتهوه . وجملة كُلُوا وَاشْرَبُوا مقول قول محذوف ، وذلك المحذوف في موقع الحال من الْمُتَّقِينَ ، والتقدير : مقولا لهم كلوا واشربوا . والمقصود من ذلك القول كرامتهم بعرض تناول النعيم عليهم كما يفعله المضيف لضيوفه فالأمر في كُلُوا وَاشْرَبُوا مستعمل في العرض . و هَنِيئاً دعاء تكريم كما يقال للشارب أو الطعام في الدنيا : هنيئا مريئا ، كقوله تعالى : فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً في سورة النساء [ 4 ] . و هَنِيئاً وصف لموصوف غير مذكور دل عليه فعل كُلُوا وَاشْرَبُوا وذلك الموصوف مفعول مطلق من كُلُوا وَاشْرَبُوا مبيّن للنوع لقصد الدعاء مثل : سقيا ورعيا ، في الدعاء بالخير ، وتبّا وسحقا في ضده . والباء في بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ للسببية ، أي لإفادة تسبب ما بعدها في وقوع متعلّقه ، أي كلوا واشربوا بسبب ما كنتم تعملون في الدنيا من الأعمال الصالحة وذلك من إكرامهم بأن جعل ذلك الإنعام حقا لهم . وجملة إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ يجوز أن تكون مما يقال للمتقين بعد أن قيل