الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
387
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وفي « الإتقان » عن « كتاب ابن الضريس » عن ابن عباس في عدّ السور التي نزلت بمكة فذكرها باسم المرسلات . وفيه عن « دلائل النبوة » للبيهقي عن عكرمة والحسن في عدّ السور التي نزلت بمكة فذكرها باسم المرسلات . وهي مكية عند جمهور المفسرين من السلف ، وذلك ظاهر حديث ابن مسعود المذكور آنفا ، وهو يقتضي أنها من أوائل سور القرآن نزولا لأنها نزلت والنبي صلى اللّه عليه وسلم مختف في غار بمنى مع بعض أصحابه . وعن ابن عباس وقتادة : أن آية وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ [ المرسلات : 48 ] مدنية نزلت في المنافقين ، ومحمل ذلك أنه تأويل ممن رواه عنه نظرا إلى أن الكفار الصرحاء لا يؤمرون بالصلاة ، وليس في ذلك حجة لكون الآية مدنية فإن الضمير في قوله : وَإِذا قِيلَ لَهُمُ [ المرسلات : 48 ] وارد على طريقة الضمائر قبله وكلها عائدة إلى الكفار وهم المشركون . ومعنى قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا : كناية عن أن يقال لهم : أسلموا . ونظيره قوله تعالى : وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ [ القلم : 43 ] فهي في المشركين وقوله : قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ إلى قوله : وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ [ المدثر : 43 - 46 ] . وعن مقاتل نزلت وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ في شأن وفد ثقيف حين أسلموا بعد غزوة هوازن وأتوا المدينة فأمرهم النبي صلى اللّه عليه وسلم بالصلاة فقالوا : لا نجبّي فإنها مسبّة علينا . فقال لهم : لا خير في دين ليس فيه ركوع وسجود . وهذا أيضا أضعف ، وإذا صحّ ذلك فإنما أراد مقاتل أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قرأ عليهم الآية . وهي السورة الثالثة والثلاثون في عداد ترتيب نزول السور عند جابر بن زيد . واتفق العادون على عد آيها خمسين . أغراضها اشتملت على الاستدلال على وقوع البعث عقب فناء الدنيا ووصف بعض أشراط ذلك . والاستدلال على إمكان إعادة الخلق بما سبق من خلق الإنسان وخلق الأرض . ووعيد منكريه بعذاب الآخرة ووصف أهواله .