الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

379

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ينكرون وقوع ذلك اليوم كما قدمناه وكان الباعث لهم على إنكاره شبهة استحالة إعادة الأجساد بعد بلاها وفنائها ، وكان الكلام السابق مسوقا مساق الذم لهم والإنكار عليهم جيء هنا بما هو دليل للإنكار عليهم وإبطال لشبهتهم ببيان إمكان إعادة خلقهم يعيده الذي خلقهم أول مرّة كما قال تعالى : فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [ الإسراء : 51 ] وغير ذلك من الآيات الحائمة حول هذا المعنى . وافتتاح الجملة بالمبتدإ المخبر عنه بالخبر الفعلي دون أن تفتتح ب خَلَقْناهُمْ أو نحن خالقون ، لإفادة تقوّي الخبر وتحقيقه بالنظر إلى المعنيين بهذا الكلام وإن لم يكن خطابا لهم ولكنهم هم المقصود منه . وتقوية الحكم بناء على تنزيل أولئك المخلوقين منزلة من يشك في أن اللّه خلقهم حيث لم يجرءوا على موجب العلم فأنكروا أن اللّه يعيد الخلق بعد البلى ، فكأنهم يسندون الخلق الأول لغيره . وتقوّي الحكم يترتب عليه أنه إذا شاء بدّل أمثالهم بإعادة أجسادهم فلذلك لم يحتج إلى تأكيد جملة : وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ ، استغناء بتولد معناها عن معنى التي قبلها وإن كان هو أولى بالتقوية على مقتضى الظاهر . وهذا التقوّي هنا مشعر بأن كلاما يعقبه هو مصب التقوّي ، ونظيره في التقوّي والتفريع قوله تعالى : نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ إلى قوله : وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ فإن المفرع هو أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ وما اتصل به . وجملة فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ معترضة وقد مضى في سورة الواقعة [ 57 - 61 ] . ف أَمْثالَهُمْ : هي الأجساد الثانية إذ هي أمثال لأجسادهم الموجودة حين التنزيل . والشدّ : الإحكام وإتقان ارتباط أجزاء الجسد بعضها ببعض بواسطة العظام والأعصاب والعروق إذ بذلك يستقلّ الجسم . والأسر : الربط ، وأطلق هنا على الإحكام والإتقان على وجه الاستعارة . والمعنى : أحكمنا ربط أجزاء أجسامهم فكانت مشدودا بعضها إلى بعض . وقوله : وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ إخبار بأن اللّه قادر على أن يبدلهم بناس آخرين . فحذف مفعول شِئْنا لدلالة وجواب إِذا عليه كما هو الشأن في فعل المشيئة غالبا .