الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

380

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

واجتلاب إِذا في هذا التعليق لأن شأن إِذا أن تفيد اليقين بوقوع ما قيد بها بخلاف حرف ( إن ) فهو إيماء إلى أن حصول هذه المشيئة مستقرب الوقوع . فيجوز أن يكون هذا بمنزلة النتيجة لقوله : نَحْنُ خَلَقْناهُمْ إلخ ، ويحمل الشرط على التحقق قال تعالى : وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ [ الذاريات : 6 ] . ويجوز أن يكون قوله : وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تهديدا لهم على إعراضهم وجحودهم للبعث ، أي لو شئنا لأهلكناهم وخلقنا خلقا آخر مثلهم كقوله تعالى : إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ [ إبراهيم : 19 ] . ويكون إِذا مرادا به تحقق التلازم بين شرط إِذا وجوابها ، أي الجملة المضاف إليها ، والجملة المتعلّق بها . وفعل التبديل يقتضي مبدّلا ومبدّلا به وأيّهما اعتبرته في موضع الآخر صح لأن كل مبدّل بشيء هو أيضا مبدّل به ذلك الشيء ، ولا سيما إذا لم يكن في المقام غرض ببيان المرغوب في اقتنائه والمسموح ببذله من الشيئين المستبدلين ، فحذف من الكلام هنا متعلّق بَدَّلْنا وهو المجرور بالباء لأنه أولى بالحذف ، وأبقي المفعول . وقد تقدم نظيره في سورة الواقعة [ 61 ] في قوله : عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ ، ومنه قوله تعالى : إِنَّا لَقادِرُونَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ في سورة المعارج [ 40 ، 41 ] فالتقدير : بدّلنا منهم . والأمثال : جمع مثل وهو المماثل في ذات أو صفة ، فيجوز أن يراد أمثالهم في أشكال أجسادهم وهو التبديل الذي سيكون في المعاد . ويجوز أن يراد أمثالهم في أنهم أمم ، وعلى الوجه الأول فهو يدل على أن البعث يحصل بخلق أجسام على مثال الأجساد التي كانت في الحياة الدنيا للأرواح التي كانت فيها . وانتصب تَبْدِيلًا على المفعول المطلق المؤكّد لعامله للدلالة على أنه تبديل حقيقي ، وللتوصل بالتنوين إلى تعظيمه وعجوبته . [ 29 ] [ سورة الإنسان ( 76 ) : آية 29 ] إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً ( 29 ) استئناف ابتدائي للانتقال من بسط التذكير والاستدلال إلى فذلكة الغرض وحوصلته ،