الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
376
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والمراد بالبكرة والأصيل استغراق أوقات النهار ، أي لا يصدك إعراضهم عن معاودة الدعوة وتكريرها طرفي النهار . ويدخل في ذكر اللّه الصلوات مثل قوله وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [ هود : 114 ، 115 ] . وكذلك النوافل التي هي من خصائص النبي صلى اللّه عليه وسلم بين مفروض منها وغير مفروض . فالأمر في قوله : وَاذْكُرِ مستعمل في مطلق الطلب من وجوب ونفل . وذكر اسم الرب يشمل تبليغ الدعوة ويشمل عبادة اللّه في الصلوات المفروضة والنوافل ويشمل الموعظة بتخويف عقابه ورجاء ثوابه . وقوله : بُكْرَةً وَأَصِيلًا يشمل أوقات النهار كلها المحدود منها كأوقات الصلوات وغير المحدود كأوقات النوافل ، والدعاء والاستغفار . و بُكْرَةً هي أول النهار ، وَأَصِيلًا عشيا . وقوله : وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ إشارة إلى أن الليل وقت تفرغ من بث الدعوة كما تقدم في قوله : قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا إلى قوله : عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ الآية [ المزمل : 2 - 20 ] وهذا خاص بصلاة الليل فرضا ونفلا . وقوله : وَسَبِّحْهُ جملة معطوفة على جملة مِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ فتعين أن التسبيح التنفل . والتسبيح : التنزيه بالقول وبالاعتقاد ، ويشمل الصلوات والأقوال الطيبة والتدبر في دلائل صفات اللّه وكمالاته ، وغلب إطلاق مادة التسبيح على الصلاة النافلة ، وقال تعالى : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ [ الطور : 48 ] ، أي من الليل . وعن عبد الملك بن حبيب : و سَبِّحْهُ هنا صلاة التطوع في الليل ، وقوله طَوِيلًا صفة لَيْلًا وحيث وصف الليل بالطول بعد الأمر بالتسبيح فيه ، علم أن لَيْلًا أريد به أزمان الليل لأنه مجموع الوقت المقابل للنهار ، لأنه لو أريد ذلك المقدار كلّه لم يكن في وصفه بالطول جدوى ، فتعين أن وصف الطول تقييد للأمر بالتسبيح ، أي سبحه أكثر الليل ، فهو في معنى قوله تعالى : قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا إلى أَوْ زِدْ عَلَيْهِ [ الإنسان : 2 ، 4 ] أو يتنازعه كل من ( اسجد ) و سَبِّحْهُ . وانتصب لَيْلًا على الظرفية ل سَبِّحْهُ . وعن ابن عباس وابن زيد : أن هاتين الآيتين إشارة إلى الصلوات الخمس وأوقاتها