الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
377
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بناء على أن الأصيل يطلق على وقت الظهر فيكون قوله : وَسَبِّحْهُ إشارة إلى قيام الليل . وهذه الآية جاءت على وفق قوله تعالى : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ [ الحجر : 97 ، 98 ] وقوله تعالى : وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ [ المزمّل : 8 - 10 ] . [ 27 ] [ سورة الإنسان ( 76 ) : آية 27 ] إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً ( 27 ) تعليل للنهي عن إطاعتهم في قوله : وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً [ الإنسان : 24 ] ، أي لأن خلقهم الانصباب على الدنيا مع الإعراض عن الآخرة إذ هم لا يؤمنون بالبعث فلو أعطاهم لتخلق بخلقهم قال تعالى : وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ الآية [ النساء : 89 ] . فموقع إِنَّ موقع التعليل وهي بمنزلة فاء السببية كما نبه عليه الشيخ عبد القاهر . و هؤُلاءِ إشارة إلى حاضرين في ذهن المخاطب لكثرة الحديث عنهم ، وقد استقريت من القرآن أنه إذا أطلق هؤُلاءِ دون سبق ما يكون مشارا إليه فالمقصود به المشركون ، وقد ذكرت ذلك في تفسير قوله تعالى : فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ في سورة الأنعام [ 89 ] وقوله تعالى : فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ في سورة هود [ 109 ] . وقد تنزه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن محبة الدنيا فقال : « ما لي وللدنيا » فليس له محبة لأمورها عدا النساء والطيب كما قال : « حبّب إليّ من دنياكم النساء والطيب » . فأما النساء فالميل إليهن مركوز في طبع الذكور ، وما بالطبع لا يتخلف ، وفي الأنس بهن انتعاش للروح فتناوله محمود إذا وقع على الوجه المبرّأ من الإيقاع في فساد وما هو الأمثل تناول الطعام وشرب الماء قال تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً [ الرعد : 38 ] . وأما الطيب فلأنه مناسب للتزكية النفسية . وصيغة المضارع في يُحِبُّونَ تدل على تكرر ذلك ، أي أن ذلك دأبهم وديدنهم لا يشاركون مع حب العاجلة حب الآخرة .