الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

366

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

على وفق ما يشتهون . ويجوز أن يكون الضمير عائدا إلى نائب الفاعل المحذوف المفهوم من بناء يُطافُ للنائب ، أي الطائفون عليهم بها قدّروا الآنية والأكواب ، أي قدروا ما فيها من الشراب على حسب ما يطلبه كل شارب منهم ومآله إلى معنى الاحتمال الأول . وكان مما يعد في العادة من حذق الساقي أن يعطي كلّ أحد من الشّرب ما يناسب رغبته . و تَقْدِيراً مفعول مطلق مؤكد لعامله للدلالة على وفاء التقدير وعدم تجاوزه المطلوب ولا تقصيره عنه . [ 17 - 18 ] [ سورة الإنسان ( 76 ) : الآيات 17 إلى 18 ] وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً ( 17 ) عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً ( 18 ) أتبع وصف الآنية ومحاسنها بوصف الشراب الذي يحويه وطيبه ، فالكأس كأس الخمر وهي من جملة عموم الآنية المذكورة فيما تقدم ولا تسمى آنية الخمر كأسا إلّا إذا كان فيها خمر فكون الخمر فيها هو مصحح تسميتها كأسا ، ولذلك حسن تعدية فعل السقي إلى الكأس لأن مفهوم الكأس يتقوم بما في الإناء من الخمر ، ومثل هذا قول الأعشى : وكأس شربت على لذة * وأخرى تداويت منها بها يريد : وخمر شربت . والقول في إطلاق الكأس على الإناء أو على ما فيه كالقول في نظيره المتقدم في قوله : إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً [ الإنسان : 5 ] . ومعنى الآية أن هذه سقية أخرى ، أي مرة يشربون من كأس مزاجها الكافور ومرة يسقون كأسا مزاجها الزنجبيل . وضمير فِيها للجنة من قوله : جَنَّةً وَحَرِيراً [ الإنسان : 12 ] . وزنجبيل : كلمة معربة وأصلها بالكاف الأعجمية عوض الجيم . قال الجواليقي والثعالبي : هي فارسية ، وهو اسم لجذور مثل جذور السّعد بضم السين وسكون العين تكون في الأرض كالجزر الدقيق واللفت الدقيق لونها إلى البياض لها نبات له زهر ، وهي ذات رائحة عطرية طيبة وطعمها شبيه بطعم الفلفل ، وهو ينبت ببلاد الصين والسند وعمان والشحر ، وهو أصناف أحسنها ما ينبت ببلاد الصين ، ويدخل في الأدوية والطبخ كالأفاويه ورائحته بهارية وطعمه حريف . وهو منبه ويستعمل منقوعا في الماء ومربى بالسّكر .