الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

367

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقد عرفه العرب وذكره شعراء العرب في طيب الرائحة . أي يمزجون الخمر بالماء المنقوع فيه الزنجبيل لطيب رائحته وحسن طعمه . وانتصب عَيْناً على البدل من زَنْجَبِيلًا كما تقدم في قوله : كانَ مِزاجُها كافُوراً عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ [ الإنسان : 5 ، 6 ] . ومعنى كون الزنجبيل عينا : أن منقوعه أو الشراب المستخرج منه كثير كالعين على نحو قوله تعالى : وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ [ محمد : 15 ] ، أي هو كثير جدا وكان يعرف في الدنيا بالعزة . و ( سلسبيل ) : وصف قيل مشتق من السلاسة وهي السهولة واللين فيقال : ماء سلسل ، أي عذب بارد . قيل : زيدت فيه الباء والياء ( أي زيدتا في أصل الوضع على غير قياس ) . قال التبريزي في « شرح الحماسة » في قول البعيث بن حريث : خيال لأمّ السّلسبيل ودونها * مسيرة شهر للبريد المذبذب قال أبو العلاء : السلسبيل الماء السهل المساغ . وعندي أن هذا الوصف ركب من مادتي السلاسة والسّبالة ، يقال : سبلت السماء ، إذا أمطرت ، فسبيل فعيل بمعنى مفعول ، ركب من كلمتي السلاسة والسبيل لإرادة سهولة شربه ووفرة جريه . وهذا من الاشتقاق الأكبر وليس باشتقاق تصريفي . فهذا وصف من لغة العرب عند محققي أهل اللغة . وقال ابن الأعرابي : لم أسمع هذه اللفظة إلّا في القرآن ، فهو عنده من مبتكرات القرآن الجارية على أساليب الكلام العربي ، وفي « حاشية الهمذاني على الكشاف » نسبة بيت البعث المذكور آنفا مع بيتين بعده إلى أمية بن أبي الصلت وهو عزو غريب لم يقله غيره . ومعنى تُسَمَّى على هذا الوجه ، أنها توصف بهذا الوصف حتى صار كالعلم لها كما قال تعالى : لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى [ النجم : 27 ] أي يصفونهم بأنهم إناث ، ومنه قوله تعالى : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [ مريم : 65 ] أي لا مثيل له . فليس المراد أنه علم . ومن المفسرين من جعل التسمية على ظاهرها وجعل سَلْسَبِيلًا علما على هذه العين ، وهو أنسب بقوله تعالى : تُسَمَّى . وعلى قول ابن الأعرابي والجمهور : لا