الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

355

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الآخرة وبعضه وصف لبعض حالهم في الدنيا الموجب لنوال ما نالوه في الآخرة ، فلا حاجة إلى قول الفراء : إن في الكلام إضمارا وتقديره : كانوا يوفون بالنذر . وليست الجملة حالا من الْأَبْرارَ [ الإنسان : 5 ] وضميرهم لأن الحال قيد لعاملها فلو جعلت حالا لكانت قيدا ل يَشْرَبُونَ [ الإنسان : 5 ] ، وليس وفاؤهم بالنذر بحاصل في وقت شربهم من خمر الجنة بل هو بما أسلفوه في الحياة الدنيا . والوفاء : أداء ما وجب على المؤدي وافيا دون نقص ولا تقصير فيه . والنذر : ما يعتزمه المرء ويعقد عليه نيته ، قال عنترة : والنّاذرين إذا لم ألقهما دمي والمراد به هنا ما عقدوا عليه عزمهم من الإيمان والامتثال وهو ما استحقوا به صفة الْأَبْرارَ [ الإنسان : 5 ] . ويجوز أن يراد بِالنَّذْرِ ما ينذرونه من فعل الخير المتقرّب به إلى اللّه ، أي ينشئون النذور بها ليوجبوها على أنفسهم . وجيء بصيغة المضارع للدلالة على تجدد وفائهم بما عقدوا عليه ضمائرهم من الإيمان والعمل الصالح ، وذلك مشعر بأنهم يكثرون نذر الطاعات وفعل القربات ولولا ذلك لما كان الوفاء بالنذر موجبا الثناء عليهم . والتعريف في ( النذر ) تعريف الجنس فهو يعم كل نذر . وعطف على يُوفُونَ بِالنَّذْرِ قوله : وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً لأنهم لما وصفوا بالعمل بما ينذرونه أتبع ذلك بذكر حسن نيتهم وتحقق إخلاصهم في أعمالهم لأن الأعمال بالنيات فجمع لهم بهذا صحة الاعتقاد وحسن الأعمال . وخوفهم اليوم مجاز عقلي جرى في تعلق اليوم بالخوف لأنهم إنما يخافون ما يجري في ذلك اليوم من الحساب والجزاء على الأعمال السيئة بالعقاب فعلق فعل الخوف بزمان الأشياء المخوفة . وانتصب يَوْماً على المفعول به ل يَخافُونَ ولا يصح نصبه على الظرفية لأن المراد بالخوف خوفهم في الدنيا من ذنوب تجر إليهم العقاب في ذلك اليوم ، وليس المراد أنهم يخافون في ذلك اليوم فإنهم في ذلك اليوم آمنون .