الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
356
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ووصف اليوم بأن له شرّا مستطيرا وصفا مشعرا بعلة خوفهم إياه . فالمعنى : أنهم يخافون شر ذلك اليوم فيتجنبون ما يفضي بهم إلى شره من الأعمال المتوعد عليها بالعقاب . والشر : العذاب والجزاء بالسوء . والمستطير : هو اسم فاعل من استطار القاصر ، والسين والتاء في استطار للمبالغة وأصله طار مثل استكبر . والطيران مجازي مستعار لانتشار الشيء وامتداده تشبيها له بانتشار الطير في الجو ، ومنه قولهم : الفجر المستطير ، وهو الفجر الصادق الذي ينتشر ضوؤه في الأفق ويقال : استطار الحريق إذا انتشر وتلاحق . وذكر فعل كانَ للدلالة على تمكن الخبر من المخبر عنه وإلّا فإن شر ذلك اليوم ليس واقعا في الماضي وإنما يقع بعد مستقبل بعيد ، ويجوز أن يجعل ذلك من التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي تنبيها على تحقق وقوعه . وصيغة يَخافُونَ دالة على تجدد خوفهم شرّ ذلك اليوم على نحو قوله : يُوفُونَ بِالنَّذْرِ . [ 8 - 10 ] [ سورة الإنسان ( 76 ) : الآيات 8 إلى 10 ] وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ( 8 ) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً ( 9 ) إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً ( 10 ) خصص الإطعام بالذكر لما في إطعام المحتاج من إيثاره على النفس كما أفاد قوله عَلى حُبِّهِ . والتصريح بلفظ الطعام مع أنه معلوم من فعل يُطْعِمُونَ توطئة ليبنى عليه الحال وهو عَلى حُبِّهِ فإنه لو قيل : ويطعمون مسكينا ويتيما وأسيرا لفات ما في قوله عَلى حُبِّهِ من معنى إيثار المحاويج على النفس ، على أن ذكر الطعام بعد يُطْعِمُونَ يفيد تأكيدا مع استحضار هيئة الإطعام حتى كأنّ السامع يشاهد الهيئة . و عَلى حُبِّهِ في موضع الحال من ضمير يُطْعِمُونَ . و عَلى بمعنى ( مع ) ، وضمير حُبِّهِ راجع للطعام ، أي يطعمون الطعام مصحوبا بحبه ، أي مصاحبا لحبهم إياه وحب الطعام هو اشتهاؤه . فالمعنى : أنهم يطعمون طعاما هم محتاجون إليه .